كان السمع والبصر راجعين إلى الحق في مقام الجمع ، قال : ( وأفرد ) ولم يقل :
ووحد . تنبيها على أن فردانيته لا يكون إلا في عين الكثرة ، لأن الفردية يشتمل
عليها ضرورة لكونه عددا ، والوحدانية تقابلها ( 17 )
( فلو أن نوحا جمع لقومه بين الدعوتين لأجابوه ، ( 18 ) فدعاهم جهارا ، ثم
هامش
( 17 ) - لا يخفى أن الوحدانية لم تكن مقابلها تقابل العزلي ، بل هي في عين كونها خارجة عنها
سارية فيها ومعها معية قيومية ، كما نقل زبور آل محمد ، صلى الله عليه وآله : ( لك يا إلهي
وحدانية العدد ) . فالتعبير ب ( أفرد ) دون ( وحد ) لم يكن لما ذكره الشارح كما هو الظاهر ، بل
يمكن أن يكون الوجه في التعبير بأفرد ، بصيغة إفعال ، دون فرد ووحد ، بصيغة تفعيل ، أن
نظره إلى الوحدة الصرفة الحاصلة للذات المقدسة في مقام غيبه ، لا التوحيد الذي هو عبارة
عن إرجاع الكثرات إلى الوحدة ، وإفناء التعينات في بحر الوجود المطلق . والتوحيد
والتفريد يفيد ان المعنى الثاني بخلاف الإفراد ، تدبر تجد . ( الإمام الخميني مد ظله )
( 18 ) - قال شيخنا العارف الكامل ، الشاه آبادي ، مد ظله العالي : فلو أن نوحا جمع بين
الدعوتين ، لما أجابوه أصلا ، فإن قومه كانوا واقعين في الكثرة والتشبيه بطريق التقييد ، لا
التشبيه الإطلاقي الذي هو حق التشبيه . فإنهم كانوا يعبدون الأصنام وهو تقييد في
التشبيه ، فلو أن نوحا تفوه بالتشبيه أو إطلاقه بأن يقول إن التقييد باطل والأطلاق حق ، لما
توجهوا إلى التنزيه والوحدة أصلا . فكان عليه أن يدعو إلى التنزيه ، فيعالج قومه معالجة
الضد ، كما فعل . فهو ، عليه السلام ، وإن كان صاحب التشبيه والتنزيه جمعا لا تفرقة ،
إلا أنه ما دعا إلا إلى التنزيه لمناسبة حال المدعوين . نعم ، كان نبينا ( ص ) صاحب مقام
التشبيه والتنزيه ، وكان جمعهما مقاما له بخلاف سائر الأنبياء ، عليهم السلام ، فإنهم لم
يكونوا صاحب المقام ، بل كانا فيهم بطريق الحال . أقول : الدعوة
إلى التنزيه هي الدعوة إلى التشبيه وبالعكس : فإن التنزيه محجوب في التشبيه ، والتشبيه مستور في التنزيه . نعم ،
كان من دأب الأنبياء ، عليهم السلام ، التصريح بالتنزيه ، وجعل التشبيه في الحجاب
لأصحاب السر وأرباب القلوب . وبحسب حالات قومهم وغلبة جهات الكثرة
والوحدة عليهم ، كان الدعوة مختلفة في التصريح والرمز ، ولهذا من أخذ موسى ،
عليه السلام ، بلحية أخيه . ما فهم القوم إلا التنزيه مع أن أرباب المعرفة فهموا منه
التشبيه . وعلى هذا يمكن أن يكون قوله : ( ثم إني دعوتهم جهارا ، ثم إني أعلنت لهم
وأسررت لهم إسرارا ) إشارة إلى أن الجهر والإسرار من كيفية الدعوة ، فيكون دعوته جهرا
وصراحة إلى التنزيه المطلق ، وسرا وفي الحجاب إلى الشبيه المطلق . والعطف ب ( ثم )
لدلالة أن الدعوة الإسرارية إلى التشبيه منضمة في الدعوة الجهرية إلى التنزيه . ولعل
قوله : ( دعوت قومي ليلا ونهارا ) . حكاية عن الدعوة الجهرية والإسرارية . وتقديم
الليل على النهار ، لعله للإشارة إلى عدم احتجاب نفسه ، عليه السلام ، عن الكثرة في عين
الوحدة وعن الوحدة في عين الكثرة . ( الإمام الخميني مد ظله )