دعاهم إسرارا ، ثم قال لهم : ( استغفروا ربكم إنه كان غفارا ) . وقال : ( دعوت
قومي ليلا ونهارا ، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ) . ولما كانت هذه الحكمة في كلمة
نوح ومرتبته ، قال : إنه ، عليه السلام ، لو كان يجمع بين الدعوتين ، أي لو كان
يجمع في دعوته بين التشبيه والتنزيه كما جمع في القرآن بينهما ، لأجابوه ، لأنه لو أتى
بالتشبيه ، لحصلت المناسبة بينه وبينهم من حيث التشبيه ، إذ كانوا مثبتين
لأصنامهم الصفات الكمالية ، لذلك قالوا : ( وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله
زلفى ) . فجعلوهم من المقربين عند الله والمقربين لغيرهم ، وأثبتوا لهم الشفاعة
كما قالوا : ( هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) . والتقرب من الله والشفاعة عنده لا يكون إلا
لمن له الصفات الكمالية . فلو أتى بالتشبيه لصدقوه وقبلوا كلامه أيضا في التنزيه .
ولكن دعاهم جهارا ، أي ، ظاهرا إلى الظاهر المطلق من حيث صورهم
وظواهرهم ليعبدوا الله بظواهرهم بالعبادات البدنية والإتيان بالأعمال الحسية .
ثم دعاهم إسرارا ، أي ، باطنا إلى الباطن المطلق من حيث عقولهم وروحانيتهم
ليعبدوا الباطن المطلق عبادة الملأ الأعلى والملائكة المقربين . فلما لم يقبلوا دعوته ،
لرسوخ المحبة للمظاهر الجزئية التي هي معبوداتهم في قلوبهم وبواطنهم ، قال :
( استغفروا ربكم إنه كان غفارا ) . أي ، أطلبوا منه سر وجوداتكم وذواتكم
وصفاتكم بوجوده وذاته وصفاته . فنفرت بواطنهم منه ، لأن الأنفس مجبولة على
محبة أعيانها ، أو لعدم قدرتهم بأنفسهم على ذلك . فلما رأى النفور عنهم ، قال :
( إني دعوت قومي ليلا ونهارا ) . أي ، في العلانية . أو ليلا ، في الباطن والغيب
شرح فصوص الحكم — صفحة 514
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٥١٤