فقوله : ( لأنا لا نحيط بما في العالم من الصور ) . تعليل عن لسان المحجوبين
والمكاشفين أيضا . لأن المكاشف لا يقدر على كشف تفصيل الوجود بأسرها ولا
يعرف تسبيح كل منهم على التعيين إلا ما شاء الله ، كما قال : ( ولا يحيطون بشئ
من علمه إلا بما شاء ) . أي ، لأنا لا نحيط بما في العالم من الصور النوعية التي هي
الملكوت في الأجسام وهي الناطقة والمسبحة لا غير .
( فالكل ألسنة الحق ناطقة بالثناء على الحق ، ولذلك قال : ( الحمد لله رب
العالمين ) . ) أي ، إليه يرجع عواقب الثناء ، فهو المثنى والمثنى عليه . لما أسند الثناء
والحمد إلى صور العالم وبين أن الحق روحها وليس المتصرف في الصورة إلا
الروح ، أنتج منها أن صور الكل ألسنة الحق ، إذ باللسان يظهر النطق . والناطق
والحامد هو الحق يثنى ويحمد بنفسه على نفسه في مقام تفصيله ، كما حمد وأثنى على
نفسه في مقام جمعه بقوله : ( الحمد لله رب العالمين ) ( 14 ) وفيه إشارة إلى أن الحمد
في هذا المقام أيضا إنما هو باعتبار أعيان العالمين ، لأن ربوبيته يقتضى المربوبين .
فإليه يرجع عواقب الثناء ، أي ، إذا حققنا الأمر ، وجدنا أن الثناء منته إليه ، بمعنى
أنه هو الذي يثنى في هذه الألسنة على نفسه وهو المثنى عليه بالحقيقة ، فهو
المثنى والمثنى عليه ، لا غير ( 15 ) شعر :
( فإن قلت بالتنزيه كنت مقيدا وإن قلت بالتشبيه كنت محددا )
ظاهر مما مر .
( وإن قلت بالأمرين كنت مسددا وكنت إماما في المعارف سيدا ) ( 16 )
هامش
( 14 ) - وما هو المسمى بالنداء الحقيقي يختص به تعالى وينعكس صوته في الملك والملكوت . وما
هو النداء الحقيقي يقال له ( الصداء ) بكسر صاد ، وما هو المستند إلى سكان العالم ( صداء )
بفتح الصاد . ( ج )
( 15 ) - لأنه هو الذي أنطق كل شئ ، أي ، هو الناطق بلسان كل ناطق ، وهو يسمع بسمع كل
سميع ، وكل سميع سامع باسمه ( السميع ) . ( ج )
( 16 ) - قوله : ( وكنت إماما . . . ) إشارة إلى قول الإمام علي بن أبي طالب ، الباب الأعظم لمدينة
هذا العلم ، حيث نفى التشبيه الصرف وتنزيه المحض بقوله : ( لا جبر ولا تفويض بل أمر
بين الأمرين ) . وإلى هذا أشار الإمام جعفر الصادق ، عليه السلام : ( يخرجه عن الحدين :
حد التعطيل وحد التشبيه ) . ( ج )