( فأنت له ، كالصورة الجسمية لك ، وهو لك كالروح المدبر لصورة
جسدك ) . ولما كان الاسم من وجه غير المسمى ، جاء بكاف التشبيه هنا الموجب
للمغايرة ، ليعطى حق الوجهين : وجه أحدية العين ، ووجه المغايرة . وقال :
( فأنت له ) أي ، نسبة عينك للحق كنسبة جسدك لعينك : فكما أن جسدك
صورة عينك ، كذلك عينك صورة الحق وهو ظاهر في عينك ، كما أن عينك
ظاهرة في جسدك . ( وهو لك ) أي ، الحق لعينك كالروح المدبر لصورة
جسدك . وقد مر بيان هذا المعنى في المقدمات من أن الحق يرب الأعيان الثابتة
بأسمائه وصفاته ، ويرب الأرواح بالأعيان ، والأجساد بالأرواح ، لتكون
ربوبيته في جميع المراتب ظاهرة .
( والحد يشمل الظاهر والباطن منك ، فإن الصورة الباقية إذا زال عنها الروح
المدبر لها ، لم يبق إنسانا ، ولكن يقال فيها إنها صورة تشبه صورة الإنسان ، فلا فرق
بينها وبين صورة من خشب أو حجارة . ولا ينطلق عليها اسم الإنسان إلا بالمجاز لا
بالحقيقة ) أي ، التعريف الحدي يشمل الظاهر منك وهو بدنك ، لأنك معرف
بالحيوان الناطق والحيوان ليس إلا بدنك ، إذ هو جسم نام حساس متحرك
بالإرادة ، والباطن أيضا هو روحك ونفسك المعبر عنها بالناطق . ولا يسمى ذلك
البدن إنسانا بالحقيقة ، إلا عند كونه حياذا روح ونفس . وأما عند كونه ميتا
فلا يسمى إنسانا إلا بالمجاز ، باعتبار ما كان ، إذ لا يصدق عليه أنه حيوان ناطق .
فلا فرق بين الصورة الإنسانية حينئذ ، وبين صورة من خشب في الجمادية .
والغرض ، أن الإنسان إنما هو إنسان بالروح ، وروحه في الحقيقة هو الحق ، لأنه
روح الأرواح كلها ، فلو نفرض مفارقة الحق منه ، لا يبقى الإنسان إنسانا ،
ولذلك عقبه بقوله : ( وصور العالم لا يمكن زوال الحق عنها أصلا ) لأنه بلا حق
عدم محض ، فكيف يمكن لها البقاء مع زوال الحق عنها . ولا ينبغي أن يتوهم
منه أنه قائل بقدم الدنيا من أن الحق قديم فتكون صورته قديمة ، لأن مراده عدم
انفكاك الحق عن صور العالم إذا كانت موجودة . والصورة الدنياوية مبدلة
بالصورة الأخراوية ، وهي الصورة الباقية للعالم أبدا ، كما كانت في العلم أزلا .
شرح فصوص الحكم — صفحة 506
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٥٠٦