العالم صورته ومظهر هويته ، فإنه حينئذ يشاهده في جميع المظاهر ، كما قال
أبو يزيد ، قدس الله سره : ( الآن ، ثلثين سنة ما أتكلم إلا مع الله ، والناس
يزعمون إني معهم أتكلم ) . واعلم ، أن هذا الفهم إنما هو بحسب الظهور
والتجلي لا بحسب الحقيقة ، فإن حقيقته وذاته لا يدرك أبدا ولا يمكن الإحاطة
عليها سرمدا . ولا بحسب مجموع التفصيل أيضا ، فإن مظاهر الحق مفصلا غير
متناهية وإن كانت بحسب مجموع الأمهات متناهية .
( وهو الاسم الظاهر ، كما أنه بالمعنى روح ما ظهر ، فهو الباطن ) . أي ،
العالم ، بأسره ، عبارة عن اسمه ( الظاهر ) ، كما أن الحق من حيث المعنى والحقيقة
روح العالم . وهذا الروح هو عبارة عن اسمه ( الباطن ) .
واعلم ، أن الاسم ( الظاهر ) اقتضى ظهور العالم ، و ( الباطن ) اقتضى بطون
حقائقه . والمقتضى وهو إن كان باعتبار
غير المقتضى ، لكون الربوبية غير المربوبية ، لكنه باعتبار آخر عينه وهو أحدية حقيقة الحقائق ، لذلك جعل
العالم عين الاسم الظاهر وروحه عين الاسم الباطن .
( فنسبته لما ظهر من صور العالم نسبة الروح المدبر للصورة ) . أي ، إذا كان
العالم صورة الحق وهو روحه ، فنسبة الحق إلى كل ما ظهر من صور العالم
نسبة الروح الجزئي المدبر للصورة المعينة إليها في كونه مدبرا ، كما قال : ( يدبر
الأمر من السماء إلى الأرض ) . و ( اللام ) في ( لما ظهر ) بمعنى ( إلى ) . وقوله :
( للصورة ) متعلق ب ( المدبر ) . وصلة ( النسبة ) محذوفة ، أي إلى الصورة .
( فيؤخذ في حد الإنسان ، مثلا ، باطنه وظاهره وكذلك كل محدود ) . ( الفاء )
للسببية . ولما كان ظاهر العالم ظاهر الحق وباطنه باطن الحق ، والباطن مأخوذ في
تعريف الإنسان وتحديده لأنه معرف بالحيوان الناطق ، والناطق باطنه والحيوان
ظاهره . أو الهيئة الاجتماعية الحاصلة من الجنس والفصل ظاهره الذي به سر
الأحدية فيه وحقائقهما المشتركة والمميزة باطنه ، فالحق مأخوذ في حده وكذلك في
كل محدود ، إذ لا بد في كل من المحدودات من أمر عام مشترك وأمر خاص مميز ،
وكلاهما ينتهيان إلى الحق الذي هو باطن كل شئ .
شرح فصوص الحكم — صفحة 503
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٥٠٣