عليها دائما . ( ولذلك ربط النبي ، صلى الله عليه وسلم ، معرفة الحق بمعرفة النفس فقال :
( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) . ) أي ، ولكون النفس الإنسانية مشتملة على
جميع المراتب الكونية والإلهية ، والحق أيضا مشتمل عليها بحسب ظهوراته فيها ،
وما يعرف العارف نفسه غالبا إلا مجملا كما لا يعلم مراتب ربه إلا مجملا ، ربط
النبي ، صلى الله عليه وسلم ، معرفة الرب بمعرفة النفس . ( وقال تعالى : ( سنريهم
آياتنا في الآفاق ) وهو ما خرج عنك ( وفي أنفسهم ) وهو عينك ( حتى يتبين لهم ) أي ،
للناظرين لهم ( أنه الحق ) من حيث إنك صورته ، وهو روحك ) . استشهاد بالكلام
المجيد وتأكيد لهذه الرابطة . فإن إرائة الآيات في الآفاق ، أي في الأكوان ، ليست
إلا ظهور الحق وتجلياته في حقائق الأكوان ، وكل منها دال على مرتبة معينة وحقيقة
خاصة إلهية ، كما أن إرائة الآيات في الأنفس إنما هي ظهوره وتجلياته فيها بحسب
مراتبها ، والعالم كله مظهر الحق ، فالنفس الإنسانية أيضا كذلك ، فالعارف
لنفسه عارف لربه . ولما كان ما اشتمل عليه النفس الإنسانية في العالم الكبير
موجودا مفصلا يسهل إدراكه ، قال تعالى : ( سنريهم آياتنا في الآفاق ) أولا ، ثم
أردفه بقوله : ( وفي أنفسهم ) أي ، أعيانهم وذواتهم ( حتى يتبين ) للناظرين فيهما
( أنه الحق ) الذي ظهر فيها وتجلى لهما رحمة على أعيانهما ، فأوجد هما بوجوده
وأظهرهما بنوره وأعطاهما آيات دالة على حقيقته ووحدته .
والضمير في قوله : ( وهو ما خرج ) عائد إلى ( الآفاق ) . ذكره تغليبا للخبر
وهو ( ما ) وضمير ( وهو عينك ) عائد إلى ( أنفسهم ) . ذكره اعتبارا للمعنى ،
وإرادة فرد من أفرادها ، كأنه قال : وهو أنت . ولما كان نفس الشئ عبارة عن عينه
وذاته ، قال : ( وهو عينك ) . والضمير في ( أنه الحق ) لله . أي ، حتى يتبين لهم أن
الله هو الحق الثابت في الآفاق وفي الأنفس . لكنه ساق الكلام بحيث يرجع ضمير
( إنه ) إلى ( العين ) ، أي ، حتى يتبين للناظرين أن عينك هو الحق من حيث إنك
مظهره وصورته ، فالحق روحك من حيث إنه يربك ويدبرك . فذكره أيضا
لتغليب الخبر وهو ( الحق ) . ( * )
شرح فصوص الحكم — صفحة 505
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٥٠٥