مع الحق ، فما قالوه في حق آدم من النقص والمخالفة هو عين ما هم فيه مع الحق ،
إذ ليس ذلك النقصان المنسوب إلى آدم إلا المنازعة والمخالفة للحق ، وهو ، أي
ذلك النقصان ، عين ما وقع منهم حالة الطعن فيه .
( فلو لا أن نشأتهم تعطى ذلك ، ما قالوا في حق آدم ما قالوه ، وهم لا يشعرون )
أي ، فلو لا أن نشأتهم التي حجبتهم عن معرفة مرتبة آدم تعطى ذلك النزاع ، ما
قالوا في حق آدم ما قالوه ، وهم لا يشعرون إن استعداداتهم وذواتهم يقتضى ذلك
الذي نسبوا إلى آدم ، كما قيل : ( كل إناء يترشح بما فيه ) .
وهذا تنبيه على أن الملائكة التي نازعوا في آدم ليسوا من أهل الجبروت ، ولا
من أهل الملكوت السماوية ، فإنهم لغلبة النورية عليهم وإحاطتهم بالمراتب
يعرفون شرف الإنسان الكامل ورتبته عند الله وإن لم يعرفوا حقيقته كما هي ، بل
الملائكة الأرض والجن والشياطين الذين غلبت عليهم الظلمة والنشأة الموجبة للحجاب
وفي قوله : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) . بتخصيص ( الأرض ) بالذكر ،
وإن كان الكامل خليفة في العالم كله في الحقيقة ، إيماء أيضا بأن ملائكة الأرض هم
الطاعنون ، إذ الطعن لا يصدر إلا ممن هو في معرض ذلك المنصب ، وأهل
السماوات مدبرات للعالم العلوي بالقصد الأولى ، وللسفلى بالقصد الثاني . وإذا
حققت الأمر وأمعنت النظر ، تجدهم في هذه النشأة الإنسانية أيضا أنهم هم
المفسدون - كما قال الله : ( ألا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ) . ألا ترى أن
القوة الشهوية والغضبية هما ملكان من ملائكة الأرض ، هما اللتان تغلبان على
النفس الناطقة ويجعلان لها أسيرا منقادا لأفاعيلهما وأغراضهما ، وعند ذلك تصير
النفس ( أمارة بالسوء ) فهم المفسدون في الحقيقة . وكون السفك والفساد صادرا
من القوى الجسمانية لا الروحانية القلبية ، دليل واضح على ما ذهبنا إليه من أن
أهل الجبروت والملكوت السماوية لا يتنازعون مع الحق ولا يخالفون أمره ونهيه ،
إذ القوى الروحانية والقلبية لا يتأتى منهم ما يخالف أمر الله ، فافهم ( 84 )
هامش
( 84 ) - إشارة إلى إنها نفس أمر الله ، والأمر لا يخالف الأمر ، فليتأمل . ( ج )