يقتضى العموم والإحاطة ، إذ لو لم تكن نشأته محيطة بها ، لكانت على منوال واحد
ونسق معين كغيره من الموجودات . وأيا ما كان سمى الإنسان إنسانا ، لهذه المناسبة
الجامعة بين الاسم والمسمى .
وثانيهما ، أنه للحق بمنزلة إنسان العين ( 41 ) من العين الذي يحصل به النظر ،
وهو الذي يعبر عنه بالبصر ( 42 ) وكما أن إنسان العين ( 43 ) هو المقصود والأصل من
هامش
( 41 ) - يعنى ، كما أن العين لا يصدر عنها الإبصار إلا بالقوة الباصرة المسماة بإنسان العين ، فكذا
لا ينظر الله تعالى إلى العالم إلا بالإنسان تشبيها له بالباصرة . وكذلك الأذن الواعية للنفس
الناطقة إذا توجهت لاستماع الأصوات الحسية عن خارج جعلت له الصماخ آلة ليوصل
إليه الهواء المكيف بالصوت ، كذلك جعل الله في العالم الكبير أشخاصا نورية اصطفاهم
لنفسه ليكونوا له أذنا واعية فيسمع بهم ضجيج عباده ودعواتهم ، وكذلك يسمع بهم ما
يكلم مع أنبيائه وأوليائه ، ويسمع بهم مناجاتهم وما أجيبوا في رسالاتهم عن العباد من
قبول الدعوة وإنكارها . وهكذا في اللسان ، حيث إن النفس في إظهار الجواهر العقلية
الكامنة في خزانة ذاتها جعلت هذا اللسان آلة التلفظ بها ، فكذلك أختار الله لنفسه تراجمة
لوحيه ، بهم يتكلم بين عباده ويرشدهم إلى طريق رشاده ، فبهم يسمع وبهم يتكلم ، فهم
لسان الله في أرضه . وبالجملة ، هم أبواب التوسل إليه لكل باب حتى أن قبول توبة آدم
ونجاة إبراهيم عن النار والتكلم مع موسى في الطور ومع العيسى في المهد بواسطتهم ، فهم
على صورة الاسم الله يحكون عنه ما يحكى البدن عن أنوار النفس وقواها . وبالجملة ،
فالإنسان الكامل الذي هو حقيقة المحمدية وأشعتها هو الذي يظهر بتمام الصور من الدرة
إلى الذرة والآدم إلى الخاتم . قد عبر الشيخ - في فتوحاته في بيان معرفة الهباء - عن علي ،
عليه السلام ، بأقرب الناس إلى رسول الله ، إمام العالم ، وسر الأنبياء والأولياء أجمعين .
( ج )
( 42 ) - يعنى ، أنه كما أن صفة إبصاره للنفس تستدعى موضوعا قابلا به يبصر النفس الأشياء
ببروزها إلى موطن الحس ، كذلك البصير من كمالات المبدء الأول ، تعالى شأنه ، يطلب
مظهرا قابلا لظهور أحكامه وبه ينظر بالرحمة إلى عباده ، فذلك مظهر بالنظر إليه تعالى
كالعين للإنسان ، بل هو عين إنسان وإنسان عين الأعيان . ( ج )
( 43 ) - قوله : ( وكما أن إنسان العين . . . ) . ليس مقصود الشيخ ما ذكره الشارح ، فإنه على ذلك
تمثيل بعيد . بل منظوره أن الإنسان مرآة مشاهدة الأشياء ، فالحق به ينظر إلى الخلق كما أن
العين بإنسانها ينظر إلى الموجودات . وأما ما ذكره من كونه إشارة إلى نتيجة قرب الفرائض
فحق ، وأما نتيجة قرب الفرائض والنوافل فليست كما ذكرها ، بل الفناء الذاتي أيضا من
قرب النوافل . والتفصيل لا يليق بالمقام . ( الإمام الخميني مد ظله ) -
ولعمري إن المقام مقام البسط والإفاضة وإفشاء الأسرار . واما ما ذكره مد ظله :
( بل الفناء الذاتي . . . ) . ويجب أن يعلم أن ما دام ذات الحق باقية بوجه من الوجوه لا يحصل الفناء
الذاتي ، والفناء
الذاتي إنما يحصل بفناء ذات العبد بحيث لا يبقى له ذكره وينمحي رسمه ،
وهذا إنما يتصور فيما لا يفرض للعبد إرادة . ومعنى النوافل ملاحظة إرادة العبد وحسن
متابعة إرادته لإرادة الحق لإفنائها في إرادة سلطان الوجود . وصرح الإمام ، مد ظله ، في
تعاليقه أن فناء الذاتي من لوازم قرب الفرائض ، وأشكل على أستاذه المبرور حيث جعله
( ره ) الفناء الذاتي نتيجة قرب الفرائض ويجب أن نراجع إلى أصل تعاليقه على الكتاب . ( ج )