التنازع في العمل
إن عاملان اقتضيا في اسم عمل * قبل فللواحد منهما العمل ( 1 )
والثان أولى عند أهل البصرة * واختار عكسا غيرهم ذا أسره ( 2 )
التنازع عبارة عن توجه عاملين إلى معمول واحد ( 3 ) ، نحو " ضربت
هامش
( 1 ) " إن " شرطية " عاملان " فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده ، والتقدير :
إن اقتضى عاملان " اقتضيا " فعل وفاعل ، والجملة لا محل لها من الاعراب مفسرة
" في اسم " جار ومجرور متعلق باقتضى " عمل " مفعول به لاقتضى ، وقد وقف عليه
بالسكون على لغة ربيعة " قبل " ظرف متعلق باقتضى ، أو بمحذوف يقع حالا من قوله
عاملان : أي حال كون هذين العاملين واقعين قبل الاسم ، وقبل مبني على الضم في محل
نصب " فللواحد " الفاء لربط الجواب بالشرط ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر
مقدم " منهما " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الواحد " العمل " مبتدأ مؤخر
( 2 ) " والثاني " مبتدأ " أولى " خبر المبتدأ " عند " ظرف متعلق بأولى ، وعند
مضاف ، و " أهل " مضاف إليه ، وأهل مضاف ، و " البصرة " مضاف إليه " واختار "
فعل ماض " عكسا " مفعول به لاختار " غيرهم " غير : فاعل اختار ، وغير مضاف ،
وضمير الغائبين مضاف إليه " ذا " حال من غيرهم ، وذا مضاف و " أسره " مضاف
إليه ، وهو بضم الهمزة والمراد به ذا قوة ، وأصله - بضم الهمزة - الدرع الحصينة ، أو قوم
الرجل ورهطه الأقربون ، ويجوز فتح الهمزة ، والأسرة - بالفتح - الجماعة القوية .
( 3 ) قد يكون العاملان المتنازعان فعلين ، ويشترط فيهما حينئذ : أن يكونا متصرفين
نحو قوله تعالى : ( آتوني أفرغ عليه قطرا ) ، وقد يكونان اسمين ، ويشترط فيهما
حينئذ أن يكونا مشبهين للفعل في العمل ، وذلك بأن يكونا اسمي فاعلين ، نحو
قول الشاعر :
* عهدت مغيثا مغنيا من أجرته *
فمن : اسم موصول تنازعه كل من مغيث ومغن ، أو بأن يكونا اسمي مفعول
كقول كثير :
قضى كل ذي دين فوفى غريمه * وعزة ممطول معنى غريمها
أو بأن يكونا مصدرين كقولك : عجبت من حبك وتقديرك زيدا ، أو بأن يكونا
اسمي تفضيل كقولك : زيد أضبط الناس وأجمعهم للعلم ، أو بأن يكونا صفتين مشبهتين
نحو قولك : زيد حذر وكريم أبوه ، أو بأن يكونا مختلفين ، فمثال الفعل واسم الفعل
قوله تعالى ( هاؤم اقرأوا كتابيه ) ومثال الفعل والمصدر قول الشاعر :
لقد علمت أولى المغيرة أنني
لقيت فلم أنكل عن الضرب مسمعا
فقوله " مسمعا " اسم رجل ، وقد تنازعه من حيث العمل كل من " لقيت "
و " الضرب " .
ومنه تعلم أنه لا تنازع بين حرفين ، ولا بين فعلين جامدين ، ولا بين اسمين غير
عاملين ، ولا بين فعل متصرف وآخر جامد ، أو فعل متصرف واسم غير عامل .
ويشترط في العاملين - سوى ما فصلن - شرط ثان ، وهو : أن يكون بينهما
ارتباط ، فلا يجوز أن تقول " قام قعد أخوك " إذ لا ارتباط بين الفعلين :
والارتباط يحصل بواحد من ثلاثة أمور :
( الأول ) أن يعطف ثانيهما على أولهما بحرف من حروف العطف ، كما رأيت
( الثاني ) أن يكون أولهما عاملا في ثانيهما ، نحو قوله تعالى : ( وأنهم ظنوا كما
ظننتم أن لن يبعث الله ) العاملان هما ظنوا وظننتم ، والمعمول المتنازع فيه هو
( أن لن يبعث الله ) و " كما ظننتم " معمول لظنوا ، لأنه صفة لمصدر يقع مفعولا
مطلقا ناصبه ظنوا .
( الثالث ) أن يكون جوابا للأول ، نحو قوله تعالى ( يستفتونك قل الله يفتيكم
في الكلالة ) ونحو قوله جل شأنه : ( آتوني أفرغ عليه قطرا ) .
ويشترط في العاملين أيضا : أن يكون كل واحد منهما موجها إلى المعمول من غير
فساد في اللفظ أو في المعنى ، فخرج بذلك نحو قول الشاعر :
* أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس *
فليس كل واحد من " أتاك أتاك " موجها إلى قوله " اللاحقون " ، إذ لو توجه
كل واحد إليه لقال : أتوك أتاك اللاحقون ، أو لقال : أتاك أتوك اللاحقون ، بل المتوجه
إليه منهما هو الأول ، والثاني تأكيد له ، وخرج قول امرئ القيس بن حجر الكندي
ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة * كفاني ، ولم أطلب ، قليل من المال
وذلك لان كلا من " كفاني " و " لم أطلب " ليس متوجها إلى قوله " من المال "
إذ لو كان كل منهما متوجها إليه لصار حاصل المعنى : كفاني قليل من المال ولم أطلب
هذا القليل ، وكيف يصح ذلك وهو يقول بعد هذا البيت :
ولكنما أسعى لمجد مؤثل * وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
وإنما قوله " قليل من المال " فاعل كفى ، وهو وحده المتوجه إلى العمل فيه ، وأما
قوله " ولم أطلب " فله معمول محذوف يفهم من مجموع الكلام ، والتقدير : كفاني
قليل من المال ولم أطلب الملك .
ويشترط في العاملين أيضا : أن يكونا متقدمين على المعمول كالأمثلة التي ذكرناها
والتي ذكرها الشارح ، فإن تقدم المعمول فإما أن يكون مرفوعا وإما أن يكون منصوبا
فإن تقدم وكان مرفوعا نحو قولك " زيد قام وقعد " فلا عمل لأحد العاملين فيه ، بل
كل واحد منهما عامل في ضميره ، وإن كان منصوبا نحو قولك " زيدا ضربت وأهنت "
فالعامل فيه هو أول العاملين ، وللثاني منهما معمول محذوف يدل عليه المذكور ، أولا
معمول له أصلا ، وإن توسط المعمول بين العاملين نحو قولك " ضربت زيدا وأهنت "
فهو معمول للسابق عليه منهما ، وللمتأخر عنه معمول محذوف بدل عليه المذكور ، وقد
أشار الشارح إشارة وجيزة إلى هذا الشرط .