أفعال المقاربة
ككان كاد وعسى ، لكن ندر * غير مضارع لهذين خبر ( 1 )
هذا هو القسم الثاني من الأفعال الناسخة [ للابتداء ] ، وهو " كاد "
وأخواتها ، وذكر المصنف منها أحد عشر فعلا ، ولا خلاف في أنها أفعال ،
إلا عسى ، فنقل الزاهد عن ثعلب أنها حرف ، ونسب أيضا إلى ابن السراج ( 2 ) ،
.
هامش
( 1 ) " ككان " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " كاد " قصد لفظه :
مبتدأ مؤخر " لكن " حرف استدراك " ندر " فعل ماض " غير " فاعل ندر ،
وغير مضاف و " مضارع " مضاف إليه " لهذين " جار ومجرور متعلق بقوله خبر
الآتي " خبر " حال من فاعل ندر ، وقد وقف عليه بالسكون على لغة ربيعة التي تقف
على المنصوب المنون بالسكون ، كما يقف سائر العرب على المرفوع والمجرور المنونين .
( 2 ) نص ابن هشام في أكثر كتبه على أن القول بأن " عسى " حرف هو قول
الكوفيين ، وتبعهم على ذلك ابن السراج ، ونص في المغني وشرح الشذور على أن ثعلبا
يرى هذا ، وثعلب أحد شيوخ الكوفيين ، وملخص مذهبهم أنهم قالوا : عسى حرف
ترج ، واستدلوا على ذلك بأنها دلت على معنى لعل ، وبأنها لا تتصرف كما أن لعل كذلك
لا تتصرف ، ولما كانت لعل حرفا بالاجماع وجب أن تكون عسى حرفا مثلها ، لقوة
التشابه بينهما .
ومن العلماء من ذهب إلى أن " عسى " على ضربين ( انظر ص 345 الآتية ) :
الضرب الأول ينصب الاسم ويرفع الخبر مثل إن وأخواتها ، وهذه حرف ترج ، ومن
شواهدها قول صخر بن العود الحضرمي :
فقلت : عساها نار كأس ، وعلها * تشكي فآتي نحوها فأعودها
والضرب الثاني : يرفع المبتدأ وينصب الخبر - وهو الذي نتحدث عنه في هذا
الباب ، وهو من أفعال المقاربة - وهذا فعل ماض ، بدليل قبوله علامة الأفعال الماضية
كتاء الفاعل في نحو قوله تعالى : ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض ) وأما
جمودها ودلالتها على معنى يدل عليه حرف فلا يخرجانها عن الفعلية ، وكم من فعل يدل
على معنى يدل عليه حرف ، وهو مع ذلك جامد ، ولم يخرجه ذلك عن فعليته ، أليست
حاشا وعدا وخلا دالة على الاستثناء وهي جامدة ، وقد جاءت حروف بألفاظها ومعانيها ،
فلم يكن ذلك موجبا لحرفيتها ؟
وهذا الذي ذكرناه - من أن " عسى " على ضربين ، وأنها في ضرب منهما
فعل ، وفي الضرب الآخر حرف - هو مذهب شيخ النحاة سيبويه ( وانظر كتابنا
على شرح الأشموني ج 1 ص 463 وما بعدها في الكلام على الشاهد رقم 252 ) .
ومن هذا كله يتضح لك : أن في " عسى " ثلاثة أقوال للنحاة ، الأول : أنها فعل
في كل حال ، سواء اتصل بها ضمير الرفع أو ضمير النصب أم لم يتصل بها واحد منهما ،
وهو قول نحاة البصرة ورجحه المتأخرون ، والثاني : أنها حرف في جميع الأحوال ،
سواء اتصل بها ضمير الرفع أو النصب أم لم يتصل بها أحدهما ، وهو قول جمهرة الكوفيين
ومنهم ثعلب ، وابن السراج . والثالث : أنها حرف إذا اتصل بها ضمير نصب كما في
البيت الذي أنشدناه ، وفعل فيما عدا ذلك ، وهو قول سيبويه شيخ النحاة ، ولا تتسع
هذه العجالة السريعة إلى الاحتجاج لكل رأي وتخريج الشواهد على كل مذهب .