" زيد هند ضاربها هو " - فإن شئت أتيت ب " هو " وإن شئت لم تأت به ،
وإن خيف اللبس وجب الابراز كالمثال الثاني ، فإنك لو لم تأت بالضمير فقلت :
" زيد عمرو ضاربه " لاحتمل أن يكون فاعل الضرب زيدا ، وأن يكون
عمرا ، فلما أتيت بالضمير فقلت : " زيد عمرو ضاربه هو " تعين أن يكون
" زيد " هو الفاعل .
واختار المصنف في هذا الكتاب مذهب البصريين ، ولهذا قال : " وأبرزنه
مطلقا " يعني سواء خيف اللبس ، أو لم يخف ، واختار في غير هذا الكتاب
مذهب الكوفيين ، وقد ورد السماع بمذهبهم ، فمن ذلك قول الشاعر :
42 - قومي ذرا المجد بانوها وقد علمت
بكنه ذلك عدنان وقحطان
التقدير : بانوها هم ، فحذف الضمير لا من اللبس .
* * *
.
هامش
42 - هذا الشاهد غير منسوب إلى قائل معين فيما بين أيدينا من المراجع .
اللغة : " ذرا " بضم الذال - جمع ذروة ، وهي من كل شئ أعلاه " المجد "
الكرم " بانوها " جعله العيني فعلا ماضيا بمعنى زادوا عليها ( وتميزوا ) ؟ ، ويحتمل أن
يكون جمع " بان " جمعا سالما مثل قاض وقاضون وغاز وغازون ، وحذفت النون
للإضافة كما حذفت النون في قولك " قاضو المدينة ومفتوها " وهو عندنا أفضل مما ذهب
إليه العيني " كنه " كنه كل شئ : غايته ، ونهايته ، وحقيقته .
الاعراب : " قومي " قوم : مبتدأ أول ، وقوم مضاف وياء المتكلم مضاف إليه
" ذرا " مبتدأ ثان ، وذرا مضاف و " المجد " مضاف إليه " بانوها " بانو : خبر
المبتدأ الثاني ، وبانو مضاف وضمير الغائبة العائد إلى ذرا المجد مضاف إليه ، وجملة
المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول " وقد " الواو واو الحال ، قد : حرف تحقيق
" علمت " علم : فعل ماض ، والتاء للتأنيث " بكنه " جار ومجرور متعلق بعلمت ، وكنه مضاف واسم الإشارة في " ذلك " مضاف إليه ، واللام للبعد ، والكاف حرف
خطاب " عدنان " فاعل علمت " وقحطان " معطوف عليه .
الشاهد فيه : قوله " قومي ذرا المجد بانوها " حيث جاء بخبر المبتدأ مشتقا ولم يبرز
الضمير ، مع أن المشتق ليس وصفا لنفس مبتدئه في المعنى ، ولو أبرز الضمير لقال : " قومي
ذرا المجد بانوها هم " وإنما لم يبرز الضمير ارتكانا على انسياق المعنى المقصود إلى ذهن
السامع من غير تردد ، فلا لبس في الكلام بحيث يفهم منه معنى غير المعنى الذي يقصد إليه
المتكلم ، فإنه لا يمكن أن يتسرب إلى ذهنك أن " بانوها " هو في المعنى وصف
للمبتدأ الثاني الذي هو " ذرا المجد " لان ذرا المجد مبنية وليست بانية ، وإنما الباني
هو القوم .
وهذا الذي يدل عليه هذا البيت - من عدم وجوب إبراز الضمير إذا أمن
الالتباس ، وقصر وجوب إبرازه على حالة الالتباس - هو مذهب الكوفيين في الخبر
والحال والنعت والصلة ، قالوا في جميع هذه الأبواب : إذا كان واحد من هذه الأشياء
جاريا على غير من هو له ينظر ، فإذا كان يؤمن اللبس ويمكن تعين صاحبه من غير
إبراز الضمير فلا يجب إبرازه ، وإن كان لا يؤمن اللبس واحتمل عوده على من هو له
وعلى غير من هو له وجب إبراز الضمير ، والبيت حجة لهم في ذلك .
والبصريون يوجبون إبراز الضمير بكل حال ، ويرون مثل هذا البيت غير موافق
للقياس الذي عليه أكثر كلام العرب ، فهو عندهم شاذ .
ومنهم من زعم أن " ذرا المجد " ليس مبتدأ ثانيا كما أعربه الكوفيون ، بل هو
مفعول به لوصف محذوف ، والوصف المذكور بعده بدل من الوصف المحذوف ،
وتقدير الكلام : قومي بانون ذرا المجد بانوها ، فالخبر محذوف ، وهو جار على من
له ، وفي هذا من التكلف ما ليس يخفى .