المصنف - أن يكون ذلك المحذوف اسما أو فعلا نحو : " كائن " أو " استقر "
فإن قدرت " كائنا " كان من قبيل الخبر بالمفرد ، وإن قدرت " استقر " كان من
قبيل الخبر بالجملة .
واختلف النحويون في هذا ، فذهب الأخفش إلى أنه من قبيل الخبر بالمفرد ،
وأن كلا منهما متعلق بمحذوف ، وذلك المحذوف اسم فاعل ، التقدير " زيد
كائن عندك ، أو مستقر عندك ، أو في الدار " وقد نسب هذا لسيبويه .
وقيل : إنهما من قبيل الجملة ، وإن كلا منهما متعلق بمحذوف هو فعل ، والتقدير
" زيد استقر - أو يستقر - عندك ، أو في الدار " ونسب هذا إلى جمهور
البصريين ، وإلى سيبويه أيضا .
وقيل : يجوز أن يجعلا من قبيل المفرد ، فيكون المقدر مستقرا ونحوه ، وأن
يجعلا من قبيل الجملة ، فيكون التقدير " استقر " ونحوه ، وهذا ظاهر قول
المصنف " ناوين معنى كائن أو استقر " .
وذهب أبو بكر بن السراج إلى أن كلا من الظرف والمجرور قسم برأسه ،
وليس من قبيل المفرد ولا من قبيل الجملة ، نقل عنه هذا المذهب تلميذه أبو علي
الفارسي في الشيرازيات .
والحق خلاف هذا المذهب ، وأنه متعلق بمحذوف ، وذلك المحذوف واجب
الحذف ، وقد صرح به شذوذا ، كقوله :
43 - لك العز إن مولاك عز ، وإن يهن
فأنت لدى بحبوحة الهون كائن
.
هامش
43 - هذا البيت من الشواهد التي لم يذكروها منسوبة إلى قائل معين .
اللغة : " مولاك " يطلق المولى على معان كثيرة ، منها السيد ، والعبد ، والحليف ،
والمعين ، والناصر ، وابن العم ، والمحب ، والجار ، والصهر " يهن " يروى بالبناء
للمجهول كما قاله العيني وتبعه عليه كثير من أرباب الحواشي ، ولا مانع من بنائه للمعلوم
بل هو الواضح عندنا ، لان الفعل الثلاثي لازم ، فبناؤه للمفعول مع غير الظرف أو
الجار والمجرور ممتنع ، نعم يجوز أن يكون الفعل من أهنته أهينه ، وعلى هذا يجئ
ما ذكره العيني ، ولكنه ليس بمتعين ، ولا هو مما يدعو إليه المعنى ، بل الذي اخترناه
أقرب ، لمقابلته بقوله : " عز " الثلاثي اللازم ، وقوله : " بحبوحة " هو بضم فسكون ،
وبحبوحة كل شئ : وسطه " الهون " الذل والهوان .
الاعراب : " لك " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " العز " مبتدأ مؤخر
" إن " شرطية " مولاك " مولى : فاعل لفعل محذوف يقع فعل الشرط ، يفسره
المذكور بعده ، ومولى مضاف والكاف ضمير خطاب مضاف إليه " عز " فعل ماض ،
وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مولاك ، والجملة لا محل لها مفسرة ،
وجواب الشرط محذوف يدل عليه الكلام ، أي : إن عز مولاك فلك العز " وإن "
الواو عاطفة ، وإن : شرطية " يهن " فعل مضارع فعل الشرط مجزوم وعلامة مجزمه
السكون ، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مولاك " فأنت " الفاء
واقعة في جواب الشرط ، أنت : ضمير منفصل مبتدأ " لدى " ظرف متعلق
بكائن الآتي ، ولدى مضاف و " بحبوحة " مضاف إليه ، وبحبوحة مضاف
و " الهون " مضاف إليه " كائن " خبر المبتدأ ، والجلمة من المبتدأ والخبر في محل جزم
جواب الشرط .
الشاهد فيه : قوله " كائن " حيث صرح به - وهو متعلق الظرف الواقع خبرا -
شذوذا ، وذلك لان الأصل عند الجمهور أن الخبر - إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا -
أن يكون كل منهما متعلقا بكون عام ، وأن يكون هذا الكون العام واجب الحذف ،
كما قرره الشارح العلامة ، فإن كان متعلقهما كونا خاصا وجب ذكره ، إلا أن تقوم
قرينة تدل عليه إذا حذف ، فإن قامت هذه القرينة جاز ذكره وحذفه ، وذهب ابن جنى
إلى أنه يجوز ذكر هذا الكون العام لكون الذكر أصلا ، وعلى هذا يكون ذكره
في هذا البيت ونحوه ليس شاذا ، كذلك قالوا .
والذي يتجه للعبد الضعيف - عفا الله تعالى عنه - ! وذكره كثير من أكابر العلماء أن " كائنا ، واستقر " قد يراد بهما مجرد الحصول والوجود فيكون كل منهما
كونا عاما واجب الحذف ، وقد يراد بهما حصول مخصوص كالثبات وعدم قبول التحول
والانتقال ونحو ذلك فيكون كل منهما كونا خاصا ، وحينئذ يجوز ذكره ، و " ثابت "
و " ثبت " بهذه المنزلة ، فقد يراد بهما الوجود المطلق الذي هو ضد الانتقال فيكونان
عامين ، وقد يراد بهما القرار وعدم قابلية الحركة مثلا ، وحينئذ يكونان خاصين ،
وبهذا يرد على ابن جنى ما ذهب إليه ، وبهذا - أيضا - يتجه ذكر " كائن " في هذا
البيت وذكر " مستقر " في نحو قوله تعالى : ( فلما رآه مستقرا عنده ) ، لان المعنى أنه
لما رآه ثابتا كما لو كان موضعه بين يديه من أول الأمر .