وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر وإمام
الصلاة والحاكم وأمير الحرب وعامل الصدقة يطاع في مواضع الاجتهاد . وليس
عليه أن يطيع اتباعه في موارد الاجتهاد ، بل عليهم طاعته في ذلك وترك رأيهم
لرأيه فإن مصلحة الجماعة والائتلاف ومفسدة الفرقة والاختلاف أعظم من أمر
المسائل الجزئية ( 1 ) .
ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ، ولا ندعوا عليهم
ولا ننزع يدا من طاعتهم . ونرى طاعتهم لله عز وجل فريضة . . ما لم
يأمروا بمعصية وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة ( 2 ) .
وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا ، فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم
من الفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم . بل في الصبر على جورهم
تكفير السيئات ومضاعفة الأجور فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا
لفساد أعمالنا ( 3 ) .
يروي البخاري وغيره عشرات الأحاديث التي توجب طاعة الحكام حتى
وإن ظلموا وفجروا وأكلوا أموال الناس وجلدوا ظهورهم ما داموا يقيمون
الصلاة ( 4 ) .
هامش
( 1 ) المرجع السابق .
( 2 ) المرجع السابق .
( 3 ) المرجع السابق .
( 4 ) يروي مسلم : خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم . وشرار
أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم . . قلنا : يا رسول الله أفلا ننابذهم عند
ذلك ؟ قال : لا . ما أقاموا فيكم الصلاة . . إلا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله . .
فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعته .
ويروي البخاري : من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله . . ومن يطع الأمير فقد
أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني . . وفي مسلم والبخاري على المرء المسلم السمع والطاعة
فيما أحب وكره . . من رأى من أميره شيئا فليصبر ، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فمات فميتته
جاهلية . . وفي رواية فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه .
ومثل هذه الروايات هي التي أسهمت بفضل فقهاء السلاطين في الحفاظ على ملك بني أمية وبني
العباس وحتى المماليك العبيد . انظر مسلم كتاب الإمارة وشرحه للنووي . .