وبالطبع لم يكن أمام الفقهاء سوى اختيار هذا الطريق إذ أن اشتراطهم
العلم والاجتهاد في الحاكم سوف يؤدي إلى صدامهم مع حكام زمانهم
ورفضهم ، لكنهم قبلوا الاعتراف بالحكام الجهال كما قبلوا الاعتراف بالحكام
الفجار ومغتصبي السلطة .
ويعتبر أهل السنة أن الذي يغتصب السلطة يجب إقراره وطاعته لأن رفضه
والخروج عليه يعتبر مفسدة أعظم من مفسدة حكمه .
وهذا الموقف نابع من معايشة الفقهاء للأنظمة الوراثية الأموية والعباسية
وغيرها والتي قتلت في ظلها روح الشورى وجعلت القتل والتآمر وسيلة الوصول
إلى الحكم .
وليس هناك من حرج في هذا ، فالفقهاء على الأبواب ينتظرون نتيجة أي
صراع داخل العائلة الحاكمة أو خارجها ليباركوا المنتصر ويضفوا عليه الشرعية
ويدعوا الرعية إلى طاعته وعدم السعي لإعادة المغلوب لأن في ذلك مفسدة
أكبر .
فلا يجوز إذن إن يخلع الإمام بسبب الظلم أو الفسق أو غصب الأموال
وضرب الابشار وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود ، فهذا أمر قد أقره جمهور
الفقهاء ، فمن ثم يعد من الإجماع الواجب التقيد به واعتقاده ( 1 ) .
وهناك رواية على لسان الرسول صلى الله عليه وآله توجب طاعة الإمام وإن جلد ظهرك
وأخذ مالك ( 2 ) .
وإذا كان الأمر كذلك فما هي وظيفة الإمام إذن . . ؟
إن مثل هذا الاعتقاد عند أهل السنة إنما هو أحد الموروثات السياسية التي
لا سند لها من النصوص القطعية وإنما سندها الوحيد هو الأحاديث المخترعة ( 3 ) .
هامش
( 1 ) أنظر الأحكام السلطانية والتمهيد للباقلاني .
( 2 ) أنظر مسلم كتاب الإمارة .
( 3 ) أنظر لنا أحاديث نبوية اخترعتها السياسة .