الجشع
كان الناس فيما مضى لا يتطلبون من رجل الدين أن يتكل في أشياء تخرج
عن تعاليم مدرسته ودائرة اختصاصه ، فإذا خطب أو كتب تناول موضوعات
تكاد تنحصر في العبادات والفقه والوصايا العشر ، وما إليها ، وكان يسند أقواله
إلى كتاب منزل ، أو نبي مرسل ، أو حكم العقل ، أو إجماع الأمة ، هذا إذا كان
من ذوي العلم والتحصيل ، وإلا أسندها إلى مصدر غير صحيح ، أو أرسلها
إرسالا من غير أسناد معتمدا على اسم الدين وماله من قداسة وهيبة في النفوس ،
وكانت هذه القداسة وحدها تقوم عند المؤمنين والاتباع مقام التعليل وذكر الدليل ،
فهي الحجة القاطعة لإثبات الحق في فصل الخصومات ، وحل المشكلات .
أما اليوم فقد عم الوعي ، وخضع كل شئ للنقد والتساؤل ، وبنيت الحياة
وأشياؤها على العلم ، على التجربة والمشاهدة ، فأي مبدأ أو قول كائنا من كان
قائله لا بد يتناوله البحث والتمحيص ، ومن حاول أو يحاول الإفلات من النقد
والبحث الحر فإنما يقيم الدليل على أنه يبني على غير أساس ، ويسير على غير هدى .
إن الويل لمن زلت قدمه عن جاده الصواب ، وتجاوز حدود الواقع ، واستعان
بالأوهام والتخيلات .
إن الدعاية الصحيحة أو قل الناجحة هي أن تعلن الواقع بدون مبالغة أو تحريف ،
أما إعلان ما ليس بواقع فينتج عكس الغرض المطلوب ، لهذا لا أذكر شيئا مما
قرأته في كتاب أو سمعته من أفواه الرجال عن فوائد الصوم ، لأن الصوم عبادة ،
والعبادة لا تصاب بالعقول ، ولا تفسر بالأوهام ، بل يختصر فيها على ما نطق به
هامش
* أذيعت من محطة الإذاعة اللبنانية نشر في جريدة " الجريدة " في شهر رمضان المبارك سنة 1955 .