العلم دين يدان به
*
رأى بعض الغيورين على الدين إعراض الشباب عنه وعن أهله ، وإقبالهم على
كل جديد مفيد وغير مفيد ، فحاول أن يرغبهم في الدين ويقنعهم بأن جديدهم
هذا غير جديد ، لأن الدين بزعمه قد تحدث عن كل شئ تصريحا أو تلويحا ،
وأشار إلى ما كان ويكون من الآلات والمخترعات الحديثة ، ثم أورد هذا
الغيور الشواهد على دعواه من آيات قرآنية وأحاديث نبوية حملها على غير محملها ،
وفسرها بغير حقيقتها ، فسر قول القرآن الكريم " ويخلق ما لا تعلمون " بالطيارة
والسيارة وفسر " ويوم تأتي السماء بدخان مبين " بالغازات السامة ، وفسر
" الكتاب المبين " بالتسجيل الهوائي للأصوات ، إذن يصح لنا أن نقول بناء على
هذا القياس : أن قول القرآن الحكيم " من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن
يعمل مثقال ذرة شرا يره " إشارة إلى تحطيم الذرة ، وأن الفقرة الأولى تشير إلى
استخدام الذرة في الأغراض السلمية النافعة ، والفقرة الثانية تشير إلى استعمالها
في الحرب المهلكة المدمرة .
إن هذا التفسير ، وإن دل على طيب السريرة وسلامة القصد ، فإنه لا يقل
ضررا عن الرجعية والجمود . إن الخير كل الخير أن نقف بالدين عند واقعة
وحقيقته ، وحسب الدين فضيلة أنه أمر بكل شئ نافع ، ونهى عن كل ما فيه
شائبة الضرر ، حسبه أنه حارب الجهل والفقر كما حارب الظلم والكفر
إن القرآن لم يشر إلى وجود هذه الآلات والمخترعات ، ولا إلى وجود أديسون
وانشتين ، وإلى وجود هتلر وموسيليني ولكنه أعرب بلسان عربي فصيح أن
هامش
* - أذيعت من محطة الإذاعة اللبنانية ونشرت في مجلة الأحد في شهر رمضان المبارك 1955 .