وأما قوله : ( إن الأمر بالقتل لا يوجب قودا ولا دية ولا سيما قبل
وقوع القتل المأمور به ) فهب أن ذلك على ما قال أما يوجب على الآمر
بالقتل تأديبا ولا تعزيرا ولا طردا ولا إبعادا ؟ .
وقوله : ( لم يثبت ذلك ) فقد مضى ما فيه وبينا أنه لم يستعمل فيه
ما يجب استعماله من البحث والكشف ، وتهديد المتهم وطرده وإبعاده ،
والتبرؤ من التهمة بما يتبرأ به من مثلها .
فأما قوله : ( إن قتله ظلم ، وكذلك حبسه في الدار ومنعه من
الماء ، وإن استحق القتل أو الخلع ، لا يحل أن يمنع الطعام والشراب
وأطنابه في ذلك وقوله : ( إن من لم يدفع عن ذلك من الصحابة يجب أن
يكون مخطئا ) وقوله : ( إن قتله أيضا لو وجب لم يجز أن يتولاه العوام من
الناس ) فباطل ، لأن الذين قتلوه ، لا ينكر أن يكونوا ما تعمدوا قتله ،
وإنما طالبوه بأن يخلع نفسه لما ظهر من أحداثه ، ويعتزل الأمر اعتزالا
يتمكنون معه من إقامة غيره ، فلج وصمم على الامتناع ، وأقام على أمر
واحد ، فقصد القوم بحصره إلى أن يلجئوه إلى خلع نفسه ، فاعتصم
بداره ، واجتمع إليه نفر من أوباش بني أمية يدفعون عنه ، ثم يرمون من
دنى من الدار ، فانتهى الأمر إلى القتال بتدريج . ثم إلى القتل ، ولم يكن
القتال ولا القتل مقصودا في الأصل ، وإنما أفضى الأمر إليهما بتدريج
وترتيب ، وجرى ذلك مجرى ظالم غلب انسانا على رحله ومتاعه ،
فالواجب على المغلوب أن يمانعه ويدافعه ليخلص ماله من يده . ولا يقصد
إلى إتلافه ، ولا قتله ، فإن أفضى الأمر إلى ذلك ، بلا قصد كان معذورا
وإنما خاف القوم في التأني به ، والصبر عليه إلى أن يخلع نفسه من كتبه
التي طارت في الآفاق يستنصر عليهم ، ويستقدم الجيوش إليه ، ولم يأمنوا
أن يرد بعض من يدفع عنه ، فيؤدي ذلك إلى الفتنة الكبرى ، والبلية
الشافي في الامامة — صفحة 259
مساهمون: الشريف المرتضى
ص٢٥٩