الأمة ذلك بنفوسها .
وما رأيت أعجب من ادعاء مخالفينا أن أصحاب رسول الله عليه
السلام كانوا كارهين لما جرى عليه ، وأنهم كانوا يعتقدونه منكرا وظلما ،
وهذا يجري عند من تأمله مجرى دفع الضرورة قبل النظر في الأخبار ،
وسماع ما ورد من شرح هذه القصة ، لأنه معلوم أن ما يكرهه جميع
الصحابة أو أكثرهم في دار عزهم ، وبحيث ينفذ أمرهم ونهيهم ، لا يجوز
أن يتم ، ومعلوم أن نفرا من أهل مصر لا يجوز أن يقدموا المدينة ، وأن
يغلبوا جميع المسلمين على آرائهم ويفعلوا ما يكرهونه بإمامهم بمرأى منهم
ومسمع ، وهذا معلوم بطلانه بالبداهة والضرورات ، قبل مجئ الآثار
وتصفح الأخبار ، وتأملها .
وقد روى الواقدي عن ابن أبي الزناد عن ابن أبي جعفر القاري مولى بني
مخزوم قال : كان المصريون الذين حصروا عثمان ستمائة عليهم عبد الرحمن
ابن عديس البلوى ( 1 ) وكنانة بن بشر الكندي ( 2 ) وعمرو بن الحمق
الخزاعي ( 3 ) والذين قدموا من الكوفة مائتين عليهم مالك بن الحارث الأشتر
هامش
( 1 ) عبد الرحمن بن عديس البلوي صحابي من أهل بيعة الشجرة ، شهد فتح
مصر واختط بها ، وكان من الفرسان ، وكان رئيس الخيل التي سارت إلى عثمان ، ولما
آل الأمر إلى معاوية سجنه بفلسطين فهرب من السجن فتبعه فارس فقتله سنة 36 .
( انظر الإصابة ، حرف العين ق 1 ) .
( 2 ) كنانة بن بشر بن عتاب له إدراك ، قال في الإصابة حرف الكاف ق 3 :
شهد فتح مصر وقتل بفلسطين سنة 36 .
( 3 ) عمرو بن الحمق الخزاعي صحابي دعا له النبي صلى الله عليه وآله أن يمتعه
بشبابه فمرت له ثمانون سنة ما فيه شعرة بيضاء ، سكن الشام ثم الكوفة وكان ممن قام على
عثمان مع أهلها ، وشهد مع علي عليه السلام حروبه ، وكان من أعوان حجر بن
عدي الكندي ، فلما قبض زياد على حجر هرب عمرو إلى الموصل فقتله عامل الموصل
وبعث برأسه إلى معاوية فكان أول رأس أهدي في الاسلام ( انظر الإصابة حرف
العين ، ق 1 ) .