و ( الفتيا ) و ( العباسية ) و ( الإمامية ) و ( كتاب الرافضة والزيدية ) رأي من
التضاد واختلاف القول ما يدل على شك عظيم وإلحاد شديد ، وقلة تفكر
في الدين .
وليس لأحد أن يقول : إن الجاحظ لم يكن معتقدا لما في هذه الكتب
المختلفة ، وإنما حكى مقالات الناس وحجاجهم . وليس على الحاكي
جريرة ( 1 ) ، ولا يلزمه تبعة . لأن هذا القول إن قنع به الخصوم فليقنعوا
بمثله في الاعتذار ، فإن ابن الراوندي لم يقل في كتبه هذه التي شنع بها
عليه : إنني أعتقد المذاهب التي حكيتها ، وأذهب إلى صحتها . بل كان
يقول : قالت الدهرية ( 2 ) ، وقال الموحدون ، وقالت البراهمة ( 3 ) ، وقال مثبتو
الرسول ، فإن زالت التبعة عن الجاحظ في سب الصحابة والأئمة والشهادة
عليهم بالضلال ، والمروق ( 4 ) عن الدين بإخراجه كلامه مخرج الحكاية
فلتزولن أيضا التبعة عن ابن الراوندي بمثل ذلك .
هامش
( 1 ) الجريرة : الجناية .
( 2 ) الدهرية - بفتح الدال وتضم - القائلون ببقاء الدهر ولا يؤمنون بالحياة
الأخرى قالوا وهم المشار إليهم بقوله تعالى : ( ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما
يهلكنا إلا الدهر ) الجاثية 124 ، ويقال لهم المعطلة أيضا والتعطيل مذهب قوم من
العرب بعضهم أنكر الخالق والبعث والإعادة فجعلوا الجامع لهم الطبع والمهلك لهم
الدهر ، وبعضهم اعترف بالخالق - جلت قدرته - وأنكر البعث ( أنظر شرح نهج
البلاغة 1 / 118 ) .
( 3 ) البراهمة قوم لا يجوزون على الله بعثة الرسل .
( 4 ) المروق : الخروج ، ومنه سميت الخوارج مارقة لقوله صلى الله عليه وآله
" يمرقون من الذين كما يمرق السهم من الرمية " .