وبعد ، فليس يخفى كلام من قصده الحكاية ، وذكر المقالة من كلام
المشيد لها ، الجاهد له ( 1 ) نفسه في تصحيحها وترتيبها . ومن وقف على
كتب الجاحظ التي ذكرناها علم أن قصده لم يكن الحكاية ، وكيف يقصد
إلى ذلك من أورد من الشبه والطرف ما لم يخطر كثير منه ببال أهل المقالة
التي شرع في حكايتها . وليس يخفى على المنصفين ما في هذه الأمور .
وأما أبو حفص الحداد فلسنا ندري من أي وجه أدخل في جملة
الشيعة . لأنا لا نعرفه منهم ، ولا منتسبا إليهم ، ولا وجد له قط كلام في
الإمامة ، وحجاج عنها ؟ فليس ادعاؤه أنه من جملتهم من تبريهم منه ،
وأنه لم يظهر منه ما يقتضي لحوقه بهم إلا كادعائهم عليه أنه من المعتزلة
فليس بعده من أحد المذهبين إلا كبعده من الآخر .
فأما أبو عيسى الوراق فإن التثنية ( 2 ) مما رماه بها المعتزلة ، وتقدمهم
في قذفه بها ابن الراوندي لعداوة كانت بينهما ، وكانت شبهته في ذلك
وشبهة غيره تأكيد أبي عيسى لمقالة الثنوية في كتابه المعروف ب ( المقالات )
وإطنابه في ذكر شبهتهم ، وهذا القدر إن كان عندهم دالا على الاعتقاد
فليستعملوه في الجاحظ وغيره ممن أكد مقالات المبطلين ومحضها
وهذبها ( 3 )
فأما الكتاب المعروف ب ( المشرقي ) وكتاب ( النوح على البهائم ) فهما
هامش
( 1 ) المشيد : الباني والجاهد : المجد والضمير في له ل " كلام " .
( 2 ) التثنية : هي القول بالاثنين الأزليين . ويقال لأصحاب هي العقيدة الثنوية .
لأنهم يزعمون : أن النور والظلمة أزليان قديمان ، أنظر الملل والنحل للشهرستاني 1 /
244 .
( 3 ) محضها : خلصها عما يخالطها . وهذبها : نقاها .