المنكر ) ( 1 ) ليس فيه دلالة على أنهم لا يأمرون إلا به حتى يستدل باتفاقهم
على الأمر بالشئ على أنه حق ، وإنما يبين بذلك أن هذه طريقة لهم ( 2 ) ،
وسجيتهم على طريقة المدح ، فلا يمنع من أن يقع منهم خلافه إذا لم
يخرجهم من طريقة المدح ، ولأن ذلك يوجب تقدم المعرفة بالمعروف
والمنكر ، ويخرج بذلك أمرهم من أن يكون دالا على أن المأمور به من
قبلهم معروف ، والمنهي عنه من قبلهم منكر ، فكذلك قوله تعالى :
( جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ) ( 3 ) ليس فيه دلالة على
أنهم خيار عدول في كل شئ ، وفي كل حال ، ولا أنهم أيضا شهود بكل
أمر وفي كل حال ، وليس يمتنع أن يخرجوا من أن يكونوا شهداء ، فلا
يجب أن يكونوا عدولا ، على أنه في هذا الكلام تارك لعموم القول بظاهره
الذي لا يزال يتعلق به ويعتمده ، لأن قوله تعالى ( تأمرون بالمعروف
وتنهون عن المنكر ) إذا أخذ على عمومه لم يسغ ( 4 ) ما ذكره من التجويز
عليهم أن يأمروا بغير المعروف ، لأن تجويز ذلك تخصيص للعموم الذي
يقتضيه إطلاق القول على أصله ، وليس يجب تقدم المعرفة لنا بالمعروف
والمنكر كما ظنه ، بل لا ينكر أن يكون المراد أنهم يأمرون بالمعروف الذي
يعلمه الله تعالى كذلك ، وينهون عن المنكر على هذا السبيل ، فيكون
اجتماعهم ( 5 ) على الأمر بالشئ دلالة على أنه معروف ، ونهيهم عنه دلالة
على أنه منكر ، ولسنا نعلم من أي وجه يلزم أن يتقدم علمنا بالمعروف
والمنكر في هذا القول ؟
هامش
( 1 ) آل عمران 110 .
( 2 ) طريقتهم ، خ ل .
( 3 ) البقرة 143 .
( 4 ) خ " لم يسمع " .
( 5 ) خ " إجماعهم " .