مباح لكم لساغ هذا الكلام ولم يتناقض ، وإذا كان سائغا بطل قول من
ادعى أن النهي عن اتباع غير سبيل المؤمنين موجب لاتباع سبيلهم ، وأنه
يجري مجرى التحريم لمفارقة سبيلهم ، والعدول عنها ، وليس لأحد أن
يقول : إن من لم يتبع غير سبيل المؤمنين فلا بد أن يكون متبعا لسبيلهم ،
فمن هاهنا حكمنا بأن النهي عن أحد الأمرين إيجاب للآخر ، وذلك أن
بين الأمرين واسطة فقد يجوز أن يخرج المكلف من اتباع غير سبيلهم ،
واتباع سبيلهم معا بأن لا يكون متبعا سبيل أحد .
فأما قولك : " إنه علق الوعيد بما يجري مجرى الاستثناء من سبيل
المؤمنين حتى لا تتم معرفته إلا بمعرفة سبيل المؤمنين ( 1 ) فكأنه تعالى أراد ما
يجري مجرى النفي وإن كان بصورة الإثبات ، لأنه لا فرق بين ذلك وبين
أن يقول ولا يتبع غير سبيل المؤمنين ، وهذا بين في التعارف لأن أحدنا لو
قال لغيره : من أكل غير طعامي فله العقوبة ، فالمتعارف من ذلك أن أكل
طعامه مخالف لذلك ، وأن العقوبة إنما تتعلق بخروجه عن أن يكون آكلا
لطعامه " ( 2 ) فغير صحيح ، لأن " غير " - هاهنا - ليس بواجب أن يكون
بمعنى " إلا " الموضوعة للاستثناء ، بل جائز أن تكون بمعنى : خلاف ،
فكأنه تعالى قال : لا يتبع خلاف سبيل المؤمنين ( 3 ) وما هو غير لسبيلهم ،
ولم يرد لا يتبع إلا سبيلهم ، ومعرفة الغير المحظور واتباعه وإن كانت لا
تتم إلا بمعرفة سبيلهم على ما ذكر فغير ممتنع أن يكون حكمه موافقا لحكم
هامش
( 1 ) في المغني " وإذا عرف سبيلهم عرف ذلك الغير الذي يحرم اتباعه ، وما حل
هذا المحل فلا بد من أن يدل على أن سبيل المؤمنين بخلافه وكأنه تعالى " الخ ولا يختلف
المعنى غير أن ما في المتن أقل أو أدل .
( 2 ) المغني 17 / 162 .
( 3 ) أو ، خ ل .