بل لم يرده لأن كلامه يدل على الثاني ، فإن كان أراده فما كانت به حاجة
إلى أن يتمحل ( 1 ) الأدلة على وجوب الإمامة من أول الباب إلى هاهنا
ويستعمل ضروب الطرق ، فتارة يتعلق بالقرآن ، وتارة بأفعال النبي صلى
الله عليه وآله وسلم ، وأخرى بقياس الإمامة على الإمارة واستخراج علة
وجوب إقامة الأمراء على الأئمة ونقلها إلى وجوب الإمامة ، وما فيه إجماع
لا يحتاج في تثبيته إلى شئ مما تكلفه ، فصاحب الكتاب بين أمرين إما أن
يكون ما ادعاه من الاجماع حقا والمخالف فيه شاذا لا يعد خلافه خلافا ،
أو أن يكون الاجماع فيما ادعاه ، فإن كان الأول بطل أن يكون فيما تكلفه
من الكلام والاستدلال على المسألة غرض صحيح ، وجرى جميع ما أورده
مجرى العبث ، وقام فيه مقام المستدل بدقيق الأدلة وضروب الطرق على أن
النبي صلى الله عليه وآله أمر بصلوات خمس ، ودعا إلى حج
الكعبة ، وإن كان الأمر على الوجه الثاني فقبيح بمثله أن يدعي الاجماع في
موضع لا إجماع فيه ، وعلى أن ما توهمه من الاجماع غير ثابت لأن الخوارج
وهي فرقة من فرق الأمة التي إذا عددنا فرق الأمة لم يكن بد من إلحاقهم
بها ، وعد فرقهم في جملة الفرق ، تخالف في ذلك وتذهب إلى خلاف
مذهبه .
وليس قوله : " إنني لا أعدهم في الاجماع " بحجة لأن للخوارج أن
يقولوا له مثل قوله بحدوث فرقتهم ( 2 ) وزمان حدوثهم وابتداء أصل
مقالتهم معروف كما أن ذلك معروف في مقالة الخوارج .
فأما ضرار والأصم فإخراجهما أيضا من الاجماع مع كثرة من يذهب
هامش
( 1 ) التمحل : الاحتيال والمراد به هنا التكلف .
( 2 ) أي المعتزلة .