خصوصا بعد وفاة الرسول ( ص ) . مما يجعل أبناء الصحوة الإسلامية ينشدون
هذا الحلم ، الذي يعتبرونه واقعا حدث ذات يوم ويمكن إعادته أو تكراره . في
الوقت الذي تكون حقيقة هذا الواقع مسطورة ومختلقة على الأوراق فقط .
وهذه الكتابات المزيفة للواقع هي التي جعلت أبناء الصحوة الإسلامية
يحلمون بالخلافة الراشدة ، ويسعون لإعادة نموذجها المثالي . لكن هيهات ،
هيهات ! ! إن الواقع ليس كما يسطره الكتاب اليوم . والذي قيل إنهم يفعلون
ذلك ، لإعادة الاعتبار للذات المسلمة . وإخراج المسلم من حلقة اليأس الذي
يعيش فيه ، نتيجة الهزيمة الحضارية . وذلك بالحديث عن تاريخ حضاري
مشرق . كما أن هذا الأسلوب أستخدم لدعم المواجهة الحضارية بيننا وبين
الغرب . وخلق سد منيع أمام الغزو القيمي الغربي ، وذلك بخلق الانطباع
بالتفوق الأخلاقي والقيمي للحضارة الإسلامية على الحضارة الغربية المعاصرة .
ونحن وإن كنا لا نمانع من تقوية الجبهات الداخلية والخارجية للأمة في
مواجهتها الحضارية الشاملة مع الغرب . فإننا لا نرضى أن يكون ذلك على
حساب الحقيقة وتزييف الوقائع ، وهذا لا يقتصر على مثال " الخلافة الراشدة "
ولكن على مجمل التاريخ الإسلامي .
إن عرض الجانب المضئ من تاريخنا ، وغض الطرف عن الجانب المظلم ،
يعد تحريفا للواقع والتاريخ . ولن يثمر سوى ردة فعل قاسية ، إذ ما اطلع أبناء
الصحوة على حقائق الأمور ؟ . إنهم يتكلمون عن واقع اجتماعي لا وجود له
إلا في خيال من يكتب عنه ، ويتكلمون عن ورع وصدق وعلم " أمير
المؤمنين " ( 163 ) فلان الخليفة ، وأنه كان يصلي ألف ركعة في اليوم وكان
هامش
( 163 ) أنظر ما يقوله السلفي عمر بن أحمد الأحمد عن الخليفة العباسي المتوكل على الله " لقد
شبه بعض المؤرخين عصر المتوكل بعصر الصديق لقتله أهل الردة لأنه نصر الحق ورده
عليهم حتى رجعوا إلى الدين ، وبعصر عمر بن عبد العزيز حين رد مظالم بني أمية ، وقد
أظهر الحسنة بعد البدعة ، وأخمد أهل البدعة وبدعهم بعد انتشارها واشتهارها فرحمه
الله . . . رحم الله الخليفة المتوكل رحمة واسعة الذي قتل سنة ( 247 ه ) ، فلقد حرص
على توحيد كلمة المسلمين ، لأنهم يد واحدة على من ناوأهم وعاداهم وعادى طريقة
السلف طريقة أبي بكر وعمر وهي الطريق الحق ، فعليك بها وإياك وبنيات الطريق " . مجلة
الأصالة العددان 15 - 16 ، 15 ذي القعدة 1415 ه ، ص 93 .
إن هذا الخليفة الذي يترحم عليه هذا السلفي المعاصر كان طاغية عصره وقد ذكر
المؤرخون عن مجونة وإدمانه الخمر وفسقه الكثير ، بالإضافة إلى أنه كان ناصبيا يبغض
الإمام علي بن أبي طالب وأهل بيته . وقد اتفق العلماء على أن المبغض لأهل البيت في
حكم الكافر . أما قوله " نصر الحق ووحد كلمة المسلمين " فلا مصداق له سوى أن هذا
الخليفة أوقف امتحان الفقهاء والعلماء في قضية " خلق القرآن " . وانتصر لأهل الحديث
" الحشوية منهم بالخصوص " أو ما يسمى اليوم . السلفية . يقول أبو بكر الخوارزمي : ليس
من فرق الإسلام فرقة إلا وقد هبت لأهلها رويحة ، ودالت لها دولة كما أتفق المختار
للكيسانية والمعتصم والواثق للمعتزلة . والمتوكل للنواصب والحشوية " . رسائل أبي بكر
الخوارزمي ص 178 . ولكي يعرف القارئ حقيقة هذا الخليفة الذي يترحم عليه السلفية
اليوم ما عليه إلا أن يراجع مصادر التاريخ المعتمدة ليرى كيف عاش وكيف قتل ومن قتله
ولماذا ؟ ! .