ومع كونه ظاهرا من هذا الكلام ، يدل عليه ما رواه ابن الأثير في جامع
الأصول ، في الفصل الثالث من الباب الثاني من كتاب الحج ، من صحيح مسلم ، عن
أبي نضرة ، قال : كان ابن عباس يأمر بالمتعة وابن الزبير ينهى عنها ، فذكرته لجابر ،
فقال : على يدي دار الحديث ، تمتعنا مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فلما قام عمر ، قال : إن الله
كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء ، وإن القرآن قد نزل منازله ( 1 ) ، فأتموا الحج
والعمرة ، كما أمركم الله ، وأبتوا نكاح هذه النساء ، فلن أوتي برجل نكح امرأة إلى
أجل إلا رجمته بالحجارة ( 2 ) .
ومن صحيح البخاري ، عن عمران بن الحصين ، قال : أنزلت آية المتعة في كتاب
الله ففعلناها مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها حتى مات ، قال
رجل برأيه ما شاء ( 3 ) .
ومن صحيح الترمذي ، عن سالم بن عبد الله ، أنه سمع رجلا من أهل الشام وهو
يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج ، فقال عبد الله بن عمر أرأيت إن
هامش
( 1 ) قوله " إن القرآن قد نزل منازله " ظاهر كلام عمر أن القرآن قد نزل لبيان أحكامنا
على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيجب علينا رعاية مقتضاه ، ومقتضاه ترك التمتع ، لأن قوله تعالى * (
وأتموا الحج والعمرة ) * الذي هو مقتضى التمتع ، ولما كان ظاهر هذا الكلام تخطأة
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في فهم ما أنزل الله تعالى عليه من القرآن التي هي منافية للإيمان ، قال قبل
هذا الكلام : إن الله كان يحل لرسوله الخ ، إيماء إلى أن إحلال التمتع لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لا ينافي
عدم إحلاله لنا ، كما هو مقتضى ما ادعى فهمه من القرآن .
وفيه أن الأمر بالإتمام لله لا ينافي تخلل الاحلال بينهما ، وأن إحلال التمتع لم يكن لرسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) بل الأمر بالتمتع في سنة النزول إنما كان لمن لم يسبق الهدي ، كما يظهر من قوله ( صلى الله عليه وآله )
لو استقبلت ما استدبرت من أمري لما سقت الهدي " منه " .
( 2 ) جامع الأصول 3 : 456 برقم : 1397 .
( 3 ) جامع الأصول 3 : 460 برقم : 1402 .