الأذهان ، حتى أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في أيام خلافته لم يكن قادرا على تغيير كثير
من بدعهم ، ولكن يصدر منه ( عليه السلام ) ما يدل على أفعالهم في بعض الأوقات بقدر
يناسب الوقت ، ايقاظا لبعض النائمين ، وإتماما للحجة ، ومنه ما صدر منه في خطبته
المشهورة بالخطبة الشقشقية ( 1 ) .
وبعد استيلاء بني أمية اشتد أمر إخفاء مناقب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وكتمان الحق
أزيد مما سبق ، لإظهارهم البغض والسب ، ويأمرون بسبه ( عليه السلام ) في المساجد والمنابر ،
ويكتبون كلمات السب على أبواب المساجد إلى زمان سلطنة عمر بن عبد العزيز ،
وإن ترك في بعض أزمانه شيوع السب ، لكن كان قائلا بإمامة الثلاثة .
وبعد ما انتقل السلطنة إلى ولد العباس ، كان جمع منهم عارفين بالحق ، لكن شاع
الكتمان لخوفهم من الإظهار قوة أولاد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) المستلزمة لضعف
سلطنتهم ، وكان جمع منهم غير عارفين ، واستمر زمان متطاولة بإعلان الباطل في
لباس الحق ، وكتمان الحق لإطفاء نور الله ، وأمثال تلك الدواعي على الكتمان قد
تغلب على دواعي الإذاعة والانتشار ، مثل غلبة دواعي اليهود والنصارى على
كتمان بشارة موسى وعيسى ( عليهما السلام ) بنبينا ( صلى الله عليه وآله ) على إذاعة البشارة وانتشارها بينهم ،
ومع هذا بقي في كتبهم وزبرهم ما يضئ به الخافقان للبصير ، والحمد لله رب العالمين .
ووقوع مثل هذا مع العلم الصريح بالبطلان غير مستبعد من أصحاب الأهواء
وأرباب التقليد والضعفاء ، ألم تعلم ما صنع ابن سعد والكوفيون بذرية رسول
الثقلين وسيد شباب أهل الجنة وذريته وأقربائه ؟ مع أن كثيرا منهم كانوا من شيعة
أبيهم ، ومن القائلين بحجيته وإمامته ، بعد ما وعدوه النصرة رجاء لشفاعة جده ،
بسبب أغراض خسيسة دنية ، مع علمهم باستحقاق النار ، ألم تقرع سمعك مقالة ابن
هامش
( 1 ) وهي الخطبة الثالثة من نهج البلاغة .