وكان ينبغي أن يكون هذا هو الواقع لكن لم يتفق ذلك " ( 1 ) . نعم ، ما كان الله ليترك دينه
لفهم الصحابة له ، وإلا لتغيرت مضامين الإسلام ، فلابد من القول أن الله اختار ثلة من
السلف الصالح عندهم القدرة على فهم الإسلام وقد عبؤا تعبئة فكرية وروحية تؤهلهم
لبيان الدين كما أنزله الله .
فكون السلف اتبعوا هذا المنهج ويلزمنا اتباعه أمر تجب إعادة النظر فيه ،
فالمفروض أن يؤخذ الإسلام عن فئة معينة من السلف الصالح لها نهج واحد لا تناقض في
أقوالها وعندها المقدرة على فهم المقصود الشرعي من النص ، أما أن نأخذ الإسلام عن
آلاف الصحابة فهذا أمر مرفوض ببديهة العقل ، ولو ألزمنا أنفسنا بذلك لوجب علينا فهم
الإسلام بأكثر من سبعين مفهوما ، وهو عدد مذاهب الصحابة .
ونضع بين يديك أخي المسلم مثالا آخر من اختلافات الصحابة ولك الحكم .
تكبيرة الجنازة :
لقد صلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) صلاة الجنازة عشرات المرات وشاهده الصحابة وسمعوه
وهو يصليها ومع ذلك لا يحسنون نقلها بالصورة الصحيحة كما صلاها النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
أخرج الطحاوي عن إبراهيم قال : " قبض رسول الله والناس مختلفون في التكبير
على الجنازة لا تشاء أن تسمع رجلا يقول : سمعت رسول الله يكبر خمسا ، وآخر يقول :
سمعت رسول الله يكبر أربعا ، فما اختلفوا في ذلك حتى قبض أبو بكر ، فلما ولى عمر رأى
اختلاف الناس في ذلك فشق عليه جدا . فأرسل إلى رجال من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم )
فقال : إنكم معاشر أصحاب رسول الله متى تختلفون على الناس يختلفون من بعدكم ،
ومتى تجتمعون على أمر يجتمع الناس عليه ، فانظروا ما تجتمعون عليه . فكأنما أيقظهم ،
فقالوا : نعم ما رأيت يا أمير المؤمنين " ( 2 ) .
هامش
1 - الباعث الحثيث : ص 165 - 166 .
2 - عمدة القاري : 4 / 129 . كنز العمال : 15 / 712 .