ذلك الرجل الذي قيل له : لماذا تلفظون القاف غينا والذال زايا ؟ فقال : نحن لا نغول زلك ! !
قال الدكتور حامد داود حفني : " ولما كان البداء من صفات المخلوقين ، لأن فعل
الشئ ثم محوه يدل على التفكير الطارئ وعلى التصويب بعد الخطأ وعلى العلم بعد الجهل
فإن كثيرا من المفكرين سفهوا عقول الشيعة في نسبة البداء إلى الله سبحانه ، والشيعة
الإمامية براء مما فهمه الناس عن البداء ، إذ المتفق عليه عندهم وعند علماء السنة أن علم
الله قديم منزه عن التغيير والتبديل والتفكير الذي هو من صفات المخلوقات ، أما الذي
يطرأ عليه التغيير والمحو بعد الإثبات فهو في اللوح المحفوظ بدليل قوله تعالى ( يمحو الله
ما يشاء ويثبت ) .
ولنضرب مثالا لذلك يبين معنى البداء عند الإمامية : فلان من الناس كتب عليه
الشقاء في مستهل حياته ، وفي سن الأربعين تاب إلى الله فكتب في اللوح المحفوظ من
السعداء . فالبداء هنا ، محو : اسمه من باب الأشقياء في اللوح ، وكتابته في باب السعداء .
أما ما في علم الله فيشمل جميع تاريخ هذه المسألة من إثبات ومحو بعد التوبة . أي أنه سبق
في علم الله أن هذا الشخص سيكون شقيا ثم يصير سعيدا في وقت كذا حين التوبة .
إن البداء الذي تقول به الإمامية هو قضية الحكم على ظاهر الفعل الإلهي في
مخلوقاته بما تتطلبه حكمته . فهو قول بالظاهر المتراءى لنا . وإذن فوجه الإشكال في الذين
خطؤوا الشيعة في قولهم بالبداء إنما جاء من زعمهم أن الشيعة ينسبون البداء إلى علم الله
القديم لا إلى ما في اللوح المحفوظ .
ولعلك فيما قدمته لك من بيان ضاف تكون وقفت معي على ما في عقائد الإمامية
من وجاهة في قولهم بالبداء ! ! وما في تفكيرهم من عمق في الحكم به لأن معناه
- في نظري - أن الله سبحانه يطور خلقه وفق مقتضيات البيئة والزمان اللذين خلقهما
وأودع فيهما سر التأثير على خلقه ، ولو ظاهرا . إن القول بالبداء هو المقالة الوحيدة التي
نستطيع بهديها أن نفسر لك سر الناسخ والمنسوخ في القرآن . . . " ( 1 ) .
هامش
1 - تقديمه لعقائد الإمامية : ص 25 - 26 .