" إن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لو كان قد قرر أن يجعل من الجيل الإسلامي الرائد الذي ضم
المهاجرين والأنصار من صحابته قيما على الدعوة ومسؤولا عن مواصلة عملية التغيير .
فهذا يحتم على الرسول القائد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يعبئ هذا الجيل تعبئة رسالية وفكرية واسعة
يستطيع أن يمسك بالنظرية بعمق ويمارس التطبيق على ضوئها بوعي ، ويضع للمشاكل
التي تواجهها الدعوة باستمرار الحلول النابعة من الرسالة ، خصوصا إذا لاحظنا أن
النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان الذي بشر بسقوط كسرى وقيصر ، يعلم بأن الدعوة مقبلة على فتوح
عظيمة ، وأن الأمة الإسلامية سوف تنضم إليها في غد قريب شعوب جديدة ، ومساحة
كبيرة ، وتواجه مسؤولية توعية تلك الشعوب على الإسلام ، وتحصين الأمة من أخطار
هذا الانفتاح ، وتطبيق أحكام الشريعة على الأرض المفتوحة وأهل الأرض ، وبالرغم
من أن الجيل الرائد من المسلمين كان أنظف الأجيال التي توارثت الدعوة وأكثرها
استعدادا للتضحية ، لا نجد فيه ملامح ذلك الإعداد الخاص للقيمومة على الدعوة ،
والتثقيف الواسع العميق على مفاهيمها ، والأرقام التي تبرز هذا النفي كثيرة . . . " ( 1 ) .
قلة الرواية ومنع كتابة السنة
وكان الصحابة يتشددون في الرواية عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ويقلونها وينهون عنها ،
حتى قاموا بحرق الأحاديث ومحوها من الصحف ، الأمر الذي أدى إلى منع الاستفادة من
هذه السنن ، سواء من الصحابة أنفسهم أم من الأجيال التي بعدهم . كما أن الصحابة كانوا
ينهون عن سؤال ما لم يقع ، وبذلك جعلوا دائرة الفقه مقتصرة على أحداث عصرهم .
عن ابن أبي مليكة : " إن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم ، فقال : إنكم تحدثون
عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشد اختلافا ، فلا تحدثوا
عن رسول الله شيئا ، فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا
هامش
1 - بحث حول الولاية : ص 40 - 41 .