وعن ابن عباس قال : " ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ما
سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض ، كلهن في القرآن . . . " ( 1 ) .
" وهكذا نلاحظ اتجاها لدى الصحابة إلى العزوف عن السؤال إلا في حدود
المشاكل المحددة الواقعة ، وهذا الاتجاه هو الذي أدى إلى ضآلة النصوص التشريعية ( 2 )
التي نقلوها عن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو الذي أدى بعد ذلك إلى الاحتياج إلى مصادر أخرى
غير الكتاب والسنة كالاستحسان والقياس . . . وهذا الاتجاه أبعد ما يكون عن عملية
الإعداد الرسالي الخاص التي كانت تتطلب تثقيفا واسعا لذلك الجيل وتوعية له على
حدود الشريعة للمشاكل التي سوف يواجهها عبر قادته " ( 3 ) .
إن تهيب الصحابة من السؤال واعتمادهم على الأعراب لا يتلاءم مع طبيعة المهمة
الملقاة على عاتقهم . فالنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يمكن أن يعيش إلا لفترة محددة ، فكان على الصحابة
أن يبدأوا النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالسؤال أو يبتدئهم النبي بالسؤال إذا فكر أن يجعلهم القيمين بعده
على دعوته ، ولكن لم يحدث هذا بالمستوى المطلوب .
فلقد بقي النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يتلقى الإسلام من جبريل ( عليه السلام ) ثلاثا وعشرين سنة دون
انقطاع ، وهناك أكثر من مائة ألف صحابي رأوا النبي لفترة قصيرة ، فكيف يصح أن
يقال : إن هؤلاء الصحابة قيمون على الدعوة ، بينما الغالب منهم قد عاش مع النبي لفترة
قصيرة ؟ فهل استوعبوا الإسلام الذي استمر نزوله ثلاثا وعشرين سنة في أيام ؟ !
لذلك كله نحن نؤكد على : أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يهتم بأحد صحابته منذ بداية
الدعوة ، وأنه قد عبأه تعبئة فكرية وروحية كاملة ، وهذا هو المفترض من نبي
الرحمة ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
هامش
1 - سنن الدارمي : 1 / 51 . مجمع الزوائد : 1 / 158 . الطبراني في الكبير . الإتقان ، السيوطي .
2 - بلغت أحاديث الأحكام عند أهل السنة قرابة 5274 حديثا ، راجع تاريخ التشريع الإسلامي : الفضلي ،
ص 28 .
3 - بحث حول الولاية : ص 43 - 44 .