حلق ( شعر رأسه ) وحمل على بعير فقيل له : ناد على نفسك : فقال : ألا من عرفني
فقد عرفني ومن لم يعرفني ، فأنا مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي ، وأنا أقول :
طلاق المكره ليس بشئ . قال : فبلغ جعفر بن سليمان أنه ينادي على نفسه بذلك
فقال : أدركوه ، أنزلوه ) .
وكان مالك رضي الله عنه يعتقد أن بيعة المنصور باطلة ، وأن صاحبها هو
محمد النفس الزكية . وكان المنصور وولاته قد أخذوا الايمان على الناس ببيعته ،
وكان من تلك الايمان أن تطلق زوجة الرجل إذا هو نكث بيعة المنصور . فقام
الامام مالك بإصدار فتواه : ( ليس على مكره يمين ) وأن ( طلاق المكره لا يقع ) .
فانطلق الناس يبايعون محمد النفس الزكية ، وقد كانوا يتحرجون من أيمانهم التي
أكرهوا عليها عند مبايعتهم للمنصور . وقال مالك : ( ليس على مستكره طلاق ) .
وخرجت الفتوى وانطلق الناس في المدينة إلى محمد النفس الزكية يبايعونه . .
وجن جنون السلطة العباسية فقام والي المدينة جعفر بن سليمان العباسي
وضرب مالك ضربا مبرحا وحلق شعره وطاف به على دابة مجللا بالسواد ووجهه
إلى ذيل الدابة .
واعتزل مالك الناس بعد فشل ثورة النفس الزكية وبقي في بيته . قال
الواقدي : كان مالك يحضر المسجد ويشهد الجمعة والجنائز ويعود المرضى ويجيب
الدعوة ويقضي الحقوق زمانا ، ثم ترك الجلوس في فناء المسجد ، فكان يصلي
وينصرف ، ثم ترك عيادة المرضى وشهود الجنائز ، فكان يأتي أصحابها ويعزيهم ،
ثم ترك مجالسة الناس ومخالطتهم ، والصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم حتى الجمعة ، ولا
يعزي أحدا ولا يقضي له حقا ، فكان يقال له في ذلك فيقول : ( ما يتهيأ لكل أحد
أن يذكر ما فيه ، فاحتمل الناس له كل ذلك حتى مات على ذلك ) .
وقال ابن كثير في البداية والنهاية : ( ومن وقت خروج محمد بن عبد الله بن
حسن لزم مالك بيته فلم يأتي أحدا لا لعزاء ولا لهناء ، ولا يخرج لجمعة ولا
جماعة ، ويقول : ما كل ما يعلم يقال ، وليس كل أحد يقدر على الاعتذار ) .
ويقال أن المنصور لما حج بعد أن استتب له الأمر زار المدينة وأراد أن يظهر
إمام علي الرضا ورسالته في الطب النبوي — صفحة 48
مساهمون: محمد علي البار
ص٤٨