تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
أما قوله تعالى : * ( تلك أمة قد خلت ) * فهو إشارة إلى من ذكرهم الله تعالى في الآية المتقدمة ، وهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وبنوه الموحدون . و ( الأمة ) الصنف . ( خلت ) سلفت ومضت وانقرضت ، والمعنى أني اقتصصت عليكم أخبارهم وما كانوا عليه من الإسلام والدعوة إلى الإسلام فليس لكم نفع في سيرتهم دون أن تفعلوا ما فعلوه ، فإن أنتم فعلتم ذلك انتفعتم وإن أبيتم لم تنتفعوا بأفعالهم ، والآية دالة على مسائل : المسألة الأولى : الآية دالة على بطلان التقليد ، لأن قوله : * ( لها ما كسبت ) * يدل على أن كسب كل أحد يختص به ولا ينتفع به غيره ، ولو كان التقليد جائزاً لكان كسب المتبوع نافعاً للتابع ، فكأنه قال : إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلباً منكم أن تقلدوهم ، ولكن لتنبهوا على ما يلزمكم فتستدلوا وتعلموا أن ما كانوا عليه من الملة هو الحق . المسألة الثانية : الآية دالة على ترغيبهم في الإيمان ، واتباع محمد عليه الصلاة والسلام ، وتحذيرهم من مخالفته . المسألة الثالثة : الآية دالة على أن الأبناء لا يثابون على طاعة الآباء بخلاف قول اليهود من أن صلاح آبائهم ينفعهم ، وتحقيقه ما روي عنه عليه السلام أنه قال : " يا صفية عمة محمد ، يا فاطمة بنت محمد ، ائتوني يوم القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً " . وقال : " ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه " . وقال الله تعالى : * ( فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) * ( المؤمنون : 101 ) وقال تعالى : * ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ) * ( النساء : 123 ) وكذلك قوله تعالى : * ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * ( الأنعام : 164 ) وقال : * ( فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ) * ( النور : 54 ) . المسألة الرابعة : الآية تدل على بطلان قول من يقول : الأبناء يعذبون بكفر آبائهم ، وكان اليهود يقولون : إنهم يعذبون في النار لكفر آبائهم باتخاذ العجل . وهو قوله تعالى : * ( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ) * ( البقرة : 80 ) وهي أيام عبادة العجل فبين الله تعالى بطلان ذلك . المسألة الخامسة : الآية دالة على أن العبد مكتسب وقد اختلف أهل السنة والمعتزلة في تفسير الكسب . أما أهل السنة فقد اتفقوا على أنه ليس معنى كون العبد مكتسباً دخول شيء من الأعراض بقدرته من العدم إلى الوجود ، ثم بعد اتفاقهم على هذا الأصل ذكروا لهذا الكسب ثلاث تفسيرات . أحدها : وهو قول الأشعري رضي الله عنه أن القدرة صفة متعلقة بالمقدور من غير تأثير القدرة في المقدور ، بل القدرة والمقدور حصلا بخلق الله تعالى ، كما أن العلم والمعلوم حصلا بخلق الله تعالى ، لكن الشيء الذي حصل بخلق الله تعالى وهو متعلق القدرة الحادثة هو الكسب . وثانيها :