أما قوله : * ( ما تعبدون من بعدي ) * ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : لفظة ( ما ) لغير العقلاء فكيف أطلقه في المعبود الحق ؟
وجوابه من وجهين : الأول : أن ( ما ) عام في كل شيء والمعنى أي شيء تعبدون . والثاني : قوله : * ( ما تعبدو ) * كقولك عند طلب الحد والرسم : ما الإنسان ؟
المسألة الثانية ؛ قوله : * ( من بعدي ) * أما قوله : * ( قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق ) * ففيه مسائل :
المسألة الأولى : هذه الآية تمسك بها فريقان من أهل الجهل . الأول : المقلدة قالوا : إن أبناء يعقوب اكتفوا بالتقليد ، وهو عليه السلام ما أنكره عليهم فدل على أن التقليد كاف . الثاني : التعليمية . قالوا : لا طريق إلى معرفة الله إلا بتعليم الرسول والإمام والدليل عليه هذه الآية ، فإنهم لم يقولوا : نعبد الإله الذي دل عليه العقل ، بل قالوا : نعبد الإله الذي أنت تعبده وآباءك يعبدونه وهذا يدل على أن طريق المعرفة هو التعلم .
والجواب : كما أنه ليس في الآية دلالة على أنهم عرفوا الإله بالدليل العقلي ، فليس فيها أيضاً دلالة على أنهم ما أقروا بالإله إلا على طريقة التقليد والتعليم ، ثم إن القول بالتقليد والتعليم لما بطل بالدليل علمنا أن إيمان القوم ما كان على هذه الطريقة بل كان حاصلاً على سبيل الاستدلال ، أقصى ما في الباب أن يقال : فلم لم يذكروا طريقة الاستدلال .
والجواب عنه من وجوه ، أولها : أن ذلك أخصر في القول من شرح صفات الله تعالى بتوحيده وعلمه وقدرته وعدله . وثانيها : أنه أقرب إلى سكون نفس يعقوب عليه السلام فكأنهم قالوا : لسنا نجري إلا على مثل طريقتك فلا خلاف منا عليك فيما نعبده ونخلص العبادة له . وثالثها : لعل هذا إشارة إلى ذكر الدليل على وجود الصانع على ما ذكره الله تعالى في أول هذه السورة في قوله : * ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ) * ( البقرة : 21 ) وههنا مرادهم بقولهم : * ( نعبد إلهك وإله آبائك ) * أي : نعبد الإله الذي دل عليه وجودك ووجود آبائك وعلى هذا الطريق يكون ذلك إشارة إلى الاستدلال لا إلى التقليد .
المسألة الثانية : قال القفال : وفي بعض التفاسير أن يعقوب عليه السلام لما دخل مصر رأى أهلها يعبدون النيران والأوثان فخاف على بنيه بعد وفاته ، فقال لهم هذا القول تحريضاً لهم على التمسك بعبادة الله تعالى . وحكى القاضي عن ابن عباس : أن يعقوب عليه السلام جمعهم إليه عند الوفاة ، وهم كانوا يعبدون الأوثان والنيران ، فقال : يا بني ما تعبدون من بعدي ؟ قالوا : نعبد
تفسير الرازي — صفحة 84
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٨٤