تعالى ما أدخل يعقوب في بنيه لأنه ميزه عنهم ، فلو كان الصاعد في الأبوة أباً لكان النازل في البنوة ابناً في الحقيقة ، فلما لم يكن كذلك ثبت أن الجد ليس بأب . وثانيها : لو كان الجد أباً على الحقيقة لما صح لمن مات أبوه وجده حي أن ينفي أن له أباً ، كما لا يصح في الأب القريب ولما صح ذلك علمنا أنه ليس بأب في الحقيقة .
فإن قيل : اسم الأبوة وإن حصل في الكل إلا أن رتبة الأدنى أقرب من رتبة الأبعد فلذلك صح فيه النفي .
قلنا : لو كان الاسم حقيقة فيهما جميعاً لم يكن الترتيب في الوجود سبباً لنفي اسم الأب عنه ، وثالثها : لو كان الجد أباً على الحقيقة لصح القول بأنه مات وخلف أماً وآباء كثيرين وذلك مما لم يطلقه أحد من الفقهاء وأرباب اللغة والتفسير . ورابعها : لو كان الجد أباً ولا شك أن الصحابة عارفون باللغة لما كانوا يختلفون في ميراث الجد ، ولو كان الجد أباً لكانت الجدة أماً ، ولو كان كذلك لما وقعت الشبهة في ميراث الجدة حتى يحتاج أبو بكر رضي الله عنه إلى السؤال عنه ، فهذه الدلائل دلت على أن الجد ليس بأب . وخامسها : قوله تعالى : * ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) * ( النساء : 11 ) فلو كان الجد أباً لكان ابن الابن ابناً لا محالة فكان يلزم بمقتضى هذه الآية حصول الميراث لابن الابن مع قيام الابن ، ولما لم يكن كذلك علمنا أن الجد ليس بأب ، فأما الآيات التي تمسكتم بها في بيان أن الجد أب فالجواب عن وجه التمسك بها من وجوه . أولها : أنه قرأ أبي : * ( وإله إبراهيم ) * بطرح آبائك إلا أن هذا لا يقدح في الغرض لأن القراءة الشاذة لا ترفع القراءة المتواترة ، بل الجواب أن يقال : إنه أطلق لفظ الأب على الجد وعلى العم وقال عليه الصلاة والسلام في العباس : " هذا بقية آبائي " وقال : " ردوا على أبي " فدلنا ذلك على أنه ذكره على سبيل المجاز ، والدليل عليه ما قدمناه أنه يصح نفي اسم الأب عن الجد ، ولو كان حقيقة لما كان كذلك ، وأما قول ابن عباس فإنما أطلق الاسم عليه نظراً إلى الحكم الشرعي لا إلى الاسم اللغوي لأن اللغات لا يقع الخلاف فيها بين أرباب اللسان والله أعلم .
أما قوله تعالى : * ( إلهاً واحداً ) * فهو بدل * ( إله آبائك ) * كقوله : * ( بالناصية * ناصية كاذبة ) * ( العلق : 15 ، 16 ) أو على الاختصاص ، أي تريد بإله آبائك إلهاً واحداً ، أما قوله : * ( ونحن له مسلمون ) * ففيه وجوه . أحدها : أنه حال من فاعل نعبد أو من مفعوله لرجوع الهاء إليه في ( له ) . وثانيها : يجوز أن تكون جملة معطوفة على نعبد . وثالثها : أن تكون جملة اعتراضية مؤكدة ، أي ومن حالنا أنا له مسلمون مخلصون للتوحيد أو مذعنون .
تفسير الرازي — صفحة 86
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٨٦