تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
المراد به التخيير ، إذ المعلوم من حال اليهود أنها لا تجوز اختيار النصرانية على اليهودية ، بل تزعم أنه كفر . والمعلوم من حال النصارى أيضاً ذلك بل المراد أن اليهود تدعو إلى اليهودية والنصارى إلى النصرانية ، فكل فريق يدعو إلى دينه ، ويزعم أنه الهدي فهذا معنى قوله : * ( تهتدوا ) * أي أنكم إذا فعلتم ذلك اهتديتم وصرتم على سنن الاستقامة . أما قوله : * ( بل ملة إبراهيم ) * ففي انتصاب ملة أربعة أقوال . الأول : لأنه عطف في المعنى على قوله : * ( كونوا هوداً أو نصارى ) * وتقديره قالوا : اتبعوا اليهودية قل بل اتبعوا ملة إبراهيم . الثاني : على الحذف تقديره : بل نتبع ملة إبراهيم . الثالث : تقديره : بل نكون أهل ملة إبراهيم ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كقوله : * ( واسأل القرية ) * ( يوسف : 92 ) أي أهلها . الرابع : التقدير : بل اتبعوا ملة إبراهيم ، وقرأ الأعرج : ( ملة إبراهيم ) بالرفع أي ملته ملتنا ، أو ديننا ملة إبراهيم ، وبالجملة فأنت بالخيار في أن تجعله مبتدأ أو خبراً . أما قوله : * ( حنيفاً ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : لأهل اللغة في الحنيف قولان . الأول : أن الحنيف هو المستقيم ، ومنه قيل للأعرج : أحنف ، تفاؤلاً بالسلامة ، كما قالوا للديغ : سليم ، والمهلكة : مفازة ، قالوا : فكل من أسلم لله ولم ينحرف عنه في شيء فهو حنيف ، وهو مروي عن محمد بن كعب القرطي . الثاني : أن الحنيف المائل ، لأن الأحنف هو الذي يميل كل واحد من قدميه إلى الأخرى بأصابعها ، وتحنف إذا مال ، فالمعنى أن إبراهيم عليه السلام حنف إلى دين الله ، أي مال إليه ، فقوله : * ( بل ملة إبراهيم حنيفاً ) * أي مخالفاً لليهود والنصارى منحرفاً عنهما ، وأما المفسرون فذكروا عبارات ، أحدها : قول ابن عباس والحسن ومجاهد : أن الحنيفية حج البيت . وثانيها : أنها اتباع الحق ، عن مجاهد . وثالثها : اتباع إبراهيم في شرائعه التي هي شرائع الإسلام . ورابعها : إخلاص العمل وتقديره : بل نتبع ملة إبراهيم التي هي التوحيد عن الأصم قال القفال : وبالجملة فالحنيف لقب لمن دان بالإسلام كسائر ألقاب الديانات ، وأصله من إبراهيم عليه السلام . المسألة الثانية : في نصب حنيفاً قولان ، أحدهما : قول الزجاج أنه نصب على الحال من إبراهيم كقولك : رأيت وجه هند قائمة . الثاني : أنه نصب على القطع أراد بل ملة إبراهيم الحنيف فلما سقطت الألف واللام لم تتبع النكرة المعرفة فانقطع منه فانتصب ، قاله نحاة الكوفة . أما قوله : * ( وما كان من المشركين ) * ففيه وجوه ، أحدها : أنه تنبيه على أن في مذهب اليهود والنصارى شركاء على ما بيناه ، لأنه تعالى حكى عن بعض اليهود قولهم : عزير ابن الله ، والنصارى قالوا :