تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
على العلم بكون ذلك الشيء جالباً للمضار ، ودفعاً للمنافع أيضاً أمر ضروري ، فكل هذه المراتب ضرورية فكيف تحصل تحت الاختبار والتكلف . بقي أن يقال : الداخل تحت التكليف هو العلم ، إلا أن فيه أيضاً إشكالاً ، لأن ذلك العلم إما أن يكون ضرورياً أو نظرياً ، فإن كان ضرورياً لم يكن داخلاً تحت الاختبار والتكليف أيضاً ، وإن كان نظرياً فهو مستنتج عن العلوم الضرورية . فمجموع تلك العلوم الضرورية المنتجة للعلم النظري الأول ، إما أن يكون كافياً في ذلك الانتاج أو غير كاف ، فإن كان كافياً كان ترتب ذلك العلم النظري المستنتج أولاً على تلك العلوم الضرورية واجباً ، والذي يجب ترتبه على ما يكون خارجاً عن الاختيار ، كان أيضاً خارجاً عن الاختيار ، وإن لم يكن كافياً فلا بد من شيء آخر ، فذلك الآخر إن كان من العلوم الضرورية فهو إن كان حاصلاً فالذي فرضناه غير كاف ، وقد كان كافياً ، هذا خلف ، وإن كان من العلوم النظرية افتقر أول العلوم النظرية إلى علم نظري آخر قبله فلم يكن أول العلوم النظرية أولاً للعلوم النظرية ، وهذا خلف . ثم الكلام في ذلك الأول كما فيما قبله فيلزم التسلسل وهو محال ، فثبت بما ذكرنا آخراً أن قوله تعالى : * ( وتب علينا ) * محمول على ظاهره ، وهو الحق المطابق للدلائل العقلية وأن سائر الآيات المعارضة لهذه الآية أولى بالتأويل . أما قوله : * ( إنك أنت التواب الرحيم ) * فقد تقدم ذكره . النوع الثالث : قوله : * ( ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم ) * واعلم أنه لا شبهة في أن قوله : * ( ربنا وابعث فيهم رسولاً ) * يريد من أراد بقوله : * ( ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) * لأنه المذكور من قبل ووصفه لذريته بذلك لا يليق إلا بأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فعطف عليه بقوله تعالى : * ( ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم ) * وهذا الدعاء يفيد كمال حال ذريته من وجهين . أحدهما : أن يكون فيهم رسول يكمل لهم الدين والشرع ويدعوهم إلى ما يثبتون به على الإسلام . والثاني : أن يكون ذلك المبعوث منهم لا من غيرهم لوجوه . أحدها : ليكون محلهم ورتبتهم في العز والدين أعظم ، لأن الرسول والمرسل إليه إذا كانا معاً من ذريته ، كان أشرف لطلبته إذا أجيب إليها . وثانيها : أنه إذا كان منهم فإنهم يعرفون مولده ومنشأه فيقرب الأمر عليهم في معرفة صدقه وأمانته . وثالثها : أنه إذا كان منهم كان أحرص الناس على خيرهم وأشفق عليهم من الأجنبي لو أرسل إليهم ، إذا ثبت هذا فنقول : إذا كان مراد إبراهيم عليه السلام عمارة الدين في الحال وفي المستقبل ، وكان قد غلب على ظنه أن ذلك إنما يتم ويكمل بأن يكون القوم من ذريته حسن منه أن يريد ذلك ليجتمع له بذلك نهاية المراد في الدين ، وينضاف إليه السرور العظيم بأن يكون هذا الأمر في ذريته لأن لا عز ولا شرف أعلى