لكنه لا يتصرف فيها وإلا لكان ذلك الزكاء حاصلاً فيهم على سبيل الجبر لا على سبيل الاختيار ، فإذن هذه التزكية لها تفسيران . الأول : ما يفعله سوى التلاوة وتعليم الكتاب والحكمة ، حتى يكون ذلك كالسبب لطهارتهم ، وتلك الأمور ما كان يفعله عليه السلام من الوعد والإيعاد ، والوعظ والتذكير ، وتكرير ذلك عليهم ، ومن التشبث بأمور الدنيا إلى أن يؤمنوا ويصلحوا ، فقد كان عليه السلام يفعل من هذا الجنس أشياء كثيرة ليقوي بها دواعيهم إلى الإيمان والعمل الصالح ، ولذلك مدحه تعالى بأنه على خلق عظيم ، وأنه أوتي مكارم الأخلاق . الثاني : يزكيهم ، يشهد لهم بأنهم أزكياء يوم القيامة إذا شهد على كل نفس بما كسبت ، كتزكية المزكي الشهود ، والأول أجود لأنه أدخل في مشاكلة مراده بالدعاء ، لأن مراده أن يتكامل لهذه الذرية الفوز بالجنة ، وذلك لا يتم إلا بتعليم الكتاب والحكمة ، ثم بالترغيب الشديد في العمل والترهيب عن الاخلال بالعمل وهو التزكية ، هذا هو الكلام الملخص في هذه الآية ، وللمفسرين فيه عبارات . أحدها : قال الحسن : يزكيهم : يطهرهم من شركهم ، فدلت الآية على أنه سيكون في ذرية إسماعيل جهال لا حكمة فيهم ولا كتاب ، وأن الشرك ينجسهم ، وأنه تعالى يبعث فيهم رسولاً منهم يطهرهم ويجعلهم حكماء الأرض بعد جهلهم . وثانيها : التزكية هي الطاعة لله والإخلاص عن ابن عباس . وثالثها : ويزكيهم عن الشرك وسائر الأرجاس ، كقوله : * ( ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) * ( الأعراف : 57 ) واعلم أنه عليه السلام لما ذكر هذه الدعوات ختمها بالثناء على الله تعالى فقال : * ( إنك أنت العزيز الحكيم ) * والعزيز :
هو القادر الذي لا يغلب ، والحكيم هو العالم الذي لا يجهل شيئاً ، وإذا كان عالماً قادراً كان ما يفعله صواباً ومبرأ عن العبث والسفه ، ولولا كونه كذلك لما صح منه إجابة الدعاء ولا بعثة الرسل ، ولا إنزال الكتاب ، واعلم أن العزيز من صفات الذات إذا أريد اقتداره على الأشياء وامتناعه من الهضم والذلة ، لأنه إذا كان منزهاً عن الحاجات لم تلحقه ذلة المحتاج ، ولا يجوز أن يمنع من مراده حتى يلحقه اهتضام ، فهو عزيز لا محالة ، وأما الحكيم فإذا أريد به معنى العليم فهو من صفات الذات ، فإذا أريد بالعزة كمال العزة وهو الامتناع من استيلاء الغير عليه ، وأريد بالحكمة أفعال الحكمة لم يكن العزيز والحكيم من صفات الذات بل من صفات الفعل والفرق بين هذين النوعين من الصفات وجوه . أحدها : أن صفات الذات أزلية ، وصفات الفعل ليست كذلك . وثانيها : أن صفات الذات لا يمكن أن تصدق نقائضها في شيء من الأوقات ، وصفات الفعل ليست كذلك . وثالثها : أن صفات الفعل أمور نسبية يعتبر في تحققها صدور الآثار عن الفاعل ، وصفات الذات ليست كذلك ، واحتج النظام على أنه تعالى غير قادر على القبيح بأن قال :
تفسير الرازي — صفحة 75
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٧٥