تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
من رؤية العلم ، قال الله تعالى : * ( ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ) * ( الفرقان : 45 ) ، * ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) * ( الفيل : 1 ) . الثاني : أظهرها لأعيننا حتى نراها . قال الحسن : إن جبريل عليه السلام أرى إبراهيم المناسك كلها ، حتى بلغ عرفات ، فقال : يا إبراهيم أعرفت ما أريتك من المناسك ؟ قال : نعم فسميت عرفات فلما كان يوم النحر أراد أن يزور البيت عرض له إبليس فسد عليه الطريق ، فأمره جبريل عليه السلام أن يرميه بسبع حصيات ففعل ، فذهب الشيطان ثم عرض له في اليوم الثاني والثالث والرابع كل ذلك يأمره جبريل عليه السلام برمي الحصيات . وههنا قول ثالث وهو أن المراد العلم والرؤية معاً . وهو قول القاضي لأن الحج لا يتم إلا بأمور بعضها يعلم ولا يرى ، وبعضها لا يتم الغرض منه إلا بالرؤية ، فوجب حمل اللفظ على الأمرين جميعاً وهذا ضعيف ، لأنه يقتضي حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز معاً وأنه جائز ، فبقي القول المعتبر وهو القولان الأولان ، فمن قال بالقول الثاني قال : إن المناسك هي المواقف والمواضع التي يقام فيها شرائع الحج كمنى وعرفات والمزدلفة ونحوها ، ومن قال بالأول قال : إن المناسك هي أعمال الحج كالطواف والسعي والوقوف . المسألة الثانية : النسك هو التعبد ، يقال للعابد ناسك ثم سمي الذبح نسكاً والذبيحة نسيكة ، وسمي أعمال الحج مناسك . قال عليه السلام : " خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا " . والمواضع التي تقام فيها شرائع الحج تسمى : مناسك أيضاً ، ويقال : المنسك بفتح السين بمعنى الفعل ، وبكسر السين بمعنى المواضع ، كالمسجد والمشرق والمغرب ، قال الله تعالى : * ( لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه ) * ( الحج : 67 ) قرىء بالفتح والكسر ، وظاهر الكلام يدل على الفعل ، وكذلك قوله عليه السلام : " خذوا عني مناسككم " أمرهم بأن يتعلموا أفعاله في الحج لا أنه أراد : خذوا عني مواضع نسككم إذا عرفت هذا فنقول : إن حملنا المناسك على مناسك الحج ، فإن حملناها على الأفعال فالإراءة لتعريف تلك الأعمال ، وإن حملناها على المواضع فالإراءة لتعريف البقاع ومن المفسرين من حمل المناسك على الذبيحة فقط ، وهو خطأ ، لأن الذبيحة إنما تسمى نسكاً لدخولها تحت التعبد ، ولذلك لا يسمون ما يذبح للأكل بذلك فما لأجله سميت الذبيحة نسكاً ، وهو كونه عملاً من أعمال الحج قائم في سائر الأعمال ، فوجب دخول الكل فيه وأن حملنا المناسك على ما يرجع إليه أصل هذه اللفظة من العبادة والتقرب إلى الله تعالى ، واللزوم لما يرضيه وجعل ذلك عاماً لكل ما شرعه الله تعالى لإبراهيم عليه السلام فقوله : * ( وأرنا مناسكنا ) * أي علمنا كيف نعبدك ، وأين نعبدك وبماذا نتقرب إليك حتى نخدمك به كما يخدم العبد مولاه .
تفسير الرازي — صفحة 69 | فخر الدين الرازي