تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
من هذه الرتبة . وأما إن الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم فيدل عليه وجوه . أحدها : إجماع المفسرين وهو حجة . وثانيها : ما روي عنه عليه السلام أنه قال : " أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى " وأراد بالدعوة هذه الآية ، وبشارة عيسى عليه السلام ما ذكر في سورة الصف من قوله : * ( مبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ) * ( الصف : 6 ) . وثالثها : أن إبراهيم عليه السلام إنما دعا بهذا الدعاء بمكة لذريته الذين يكونون بها وبما حولها ولم يبعث الله تعالى إلى من بمكة وما حولها إلا محمداً صلى الله عليه وسلم . وههنا سؤال وهو أنه يقال : ما الحكمة في ذكر إبراهيم عليه السلام مع محمد صلى الله عليه وسلم في باب الصلاة حيث يقال : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ؟ وأجابوا عنه من وجوه ، أولها : أن إبراهيم عليه السلام دعا لمحمد عليه السلام حيث قال : * ( ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ) * فلما وجب للخليل على الحبيب حق دعائه له قضى الله تعالى عنه حقه بأن أجرى ذكره على ألسنة أمته إلى يوم القيامة . وثانيها : أن إبراهيم عليه السلام سأل ذلك ربه بقوله : * ( واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) * ( الشعراء : 84 ) يعني ابق لي ثناء حسناً في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فأجابه الله تعالى إليه وقرن ذكره بذكر حبيبه إبقاء للثناء الحسن عليه في أمته . وثالثها : أن إبراهيم كان أب الملة لقوله : * ( ملة أبيكم إبراهيم ) * ( الحج : 78 ) ومحمد كان أب الرحمة ، وفي قراءة ابن مسعود : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم ) وقال في قصته : * ( بالمؤمنين رؤوف رحيم ) * ( التوبة : 128 ) وقال عليه السلام : " إنما أنا لكم مثل الوالد " ، يعني في الرأفة والرحمة ، فلما وجب لكل واحد منهم حق الأبوة من وجه قرب بين ذكرهما في باب الثناء والصلاة . ورابعها : أن إبراهيم عليه السلام كان منادي الشريعة في الحج : * ( وأذن في الناس بالحج ) * ( الحج : 27 ) وكان محمد عليه السلام منادي الدين : * ( سمعنا منادياً ينادي للإيمان ) * ( آل عمران : 193 ) فجمع الله تعالى بينهما في الذكر الجميل . واعلم أنه تعالى لما طلب بعثة رسول منهم إليهم ، ذكر لذلك الرسول صفات . أولها : قوله : * ( يتلو عليهم آياتك ) * وفيه وجهان . الأول : أنها الفرقان الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لأن الذي كان يتلوه عليهم ليس إلا ذلك ، فوجب حمله عليه . الثاني : يجوز أن تكون الآيات هي الأعلام الدالة على وجود الصانع وصفاته سبحانه وتعالى ، ومعنى تلاوته إياها عليهم : أنه كان يذكرهم بها ويدعوهم إليها ويحملهم على الإيمان بها . وثانيها : قوله : * ( ويعلمهم الكتاب ) * والمراد أنه يأمرهم بتلاوة الكتاب ويعلمهم معاني الكتاب وحقائقه ، وذلك لأن التلاوة مطلوبة لوجوه : منها بقاء لفظها على ألسنة أهل التواتر فيبقى مصوناً عن التحريف والتصحيف ، ومنها أن يكون لفظه