الداعية لهما إلى الإسلام وتوفيقهما لذلك فمن وفقه الله لهذه الأمور حتى يفعلها فقد جعله مسلماً له ، ومثاله : من يؤدب ابنه حتى يصير أديباً فيجوز أن يقال : صيرتك أديباً وجعلتك أديباً ، وفي خلاف ذلك يقال : جعل ابنه لصاً محتالاً ، سلمنا أن ظاهر الآية يقتضي كونه تعالى خالقاً للإسلام ، لكنه على خلاف الدلائل العقلية فوجب ترك القول به ، وإنما قلنا : أنه على خلاف الدلائل العقلية لأنه لو كان فعل العبد خلقاً لله تعالى لما استحق العبد به مدحاً ولا ذماً ، ولا ثواباً ولا عقاباً ، ولوجب أن يكون الله تعالى هو المسلم المطيع لا العبد . والجواب : قوله : الآية متروكة الظاهر ، قلنا : لا نسلم وبيانه من وجوه . الأول : أن الإسلام عرض قائم بالقلب وأنه لا يبقى زمانين فقوله : * ( واجعلنا مسلمين لك ) * أي اخلق هذا العرض فينافي الزمان المستقبل دائماً ، وطلب تحصيله في الزمان المستقبل لا ينافي حصوله في الحال . الثاني : أن يكون المراد منه الزيادة في الإسلام كقوله : * ( ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ) * ( الفتح : 4 ) ، * ( والذين اهتدوا زادهم هدى ) * ( محمد : 17 ) وقال إبراهيم : * ( ولكن ليطمئن قلبي ) * ( البقرة : 26 ) فكأنهما دعواه بزيادة اليقين والتصديق ، وطلب الزيادة لا ينافي حصول الأصل في الحال . الثالث : أن الإسلام إذا أطلق يفيد الإيمان والاعتقاد ، فأما إذا أضيف بحرف اللام كقوله : * ( مسلمين لك ) * فالمراد الاستسلام له والانقياد والرضا بكل ما قدر وترك المنازعة في أحكام الله تعالى وأقضيته ، فلقد كانا عارفين مسلمين لكن لعله بقي في قلوبهما نوع من المنازعة الحاصلة بسبب البشرية فأراد أن يزيل الله ذلك عنهما بالكلية ليحصل لهما مقام الرضا بالقضاء على سبيل الكمال ، فثبت بهذه الوجوه أن الآية ليست متروكة الظاهر ، قوله : يحمل الجعل على الحكم بذلك ، قلنا : هذا مدفوع من وجوه :
أحدها : أن الموصوف إذا حصلت الصفة له فلا فائدة في الصفة ، وإذا لم يكن المطلوب
بالدعاء هو مجرد الوصف وجب حمله على تحصيل الصفة ، ولا يقال : وصفه تعالى بذلك ثناء ومدح وهو مرغوب فيه ، قلنا : نعم لكن الرغبة في تحصيل نفس الشيء أكثر من الرغبة في تحصيل الوصف به والحكم به ، فكان حمله على الأول أولى . وثانيها : أنه متى حصل الإسلام فيهما فقد استحقا التسمية بذلك والله تعالى لا يجوز عليه الكذب ، فكان ذلك الوصف حاصلاً وأي فائدة في طلبه بالدعاء . وثالثها : أنه لو كان المراد به التسمية لوجب أن كل من سمى إبراهيم مسلماً جاز أن يقال جعله مسلماً ، أما قوله : يحمل ذلك على فعل الألطاف ، قلنا : هذا أيضاً مدفوع من وجوه . أحدها : أن لفظ الجعل مضاف إلى الإسلام فصرفه عنه إلى غيره ترك للظاهر . وثانيها : أن تلك الألطاف قد فعلها الله تعالى وأوجدها وأخرجها إلى الوجود على مذهب المعتزلة ، فطلبها يكون طلباً لتحصيل الحاصل وأنه غير جائز . وثالثها : أن
تفسير الرازي — صفحة 66
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٦٦