تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
والجواب عنه من وجوه ، أحدها : أن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين ، كان ذلك من أعظم أركان الدين ، فإذا كان البلد آمناً وحصل فيه الخصب تفرغ أهله لطاعة الله تعالى ، وإذا كان البلد على ضد ذلك كانوا على ضد ذلك . وثانيها : أنه تعالى جعله مثابة للناس والناس إنما يمكنهم الذهاب إليه إذا كانت الطرق آمنة والأقوات هناك رخيصة . وثالثها : لا يبعد أن يكون الأمن والخصب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك البلدة ، فحينئذ يشاهد المشاعر المعظمة والمواقف المكرمة فيكون الأمن والخصب سبب اتصاله في تلك الطاعة . المسألة الثانية : * ( بلداً آمناً ) * يحتمل وجهين . أحدهما : مأمون فيه كقوله تعالى : * ( في عيشة راضية ) * ( القارعة : 7 ) أي مرضية . والثاني : أن يكون المراد أهل البلد كقوله : * ( واسأل القرية ) * ( يوسف : 82 ) أي أهلها وهو مجاز لأن الأمن والخوف لا يلحقان البلد . المسألة الثالثة : اختلفوا في الأمن المسؤول في هذه الآية على وجوه . أحدها : سأله الأمن من القحط لأنه أسكن أهله بواد غير ذي زرع ولا ضرع . وثانيها : سأله الأمن من الخسف والمسخ . وثالثها : سأله الأمن من القتل وهو قول أبو بكر الرازي ، واحتج عليه بأنه عليه السلام سأله الأمن أولاً ، ثم سأله الرزق ثانياً ، ولو كان الأمن المطلوب هو الأمن من القحط لكان سؤال الرزق بعده تكراراً فقال في هذه الآية : * ( رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات ) * وقال في آية أخرى : * ( رب اجعل هذا البلد آمناً ) * ثم قال في آخر القصة : * ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ) * إلى قوله : * ( وارزقهم من الثمرات ) * ( إبراهيم : 37 ) واعلم أن هذه الحجة ضعيفة فإن لقائل أن يقول : لعل الأمن المسؤول هو الأمن من الخسف والمسخ ، أو لعله الأمن من القحط ، ثم الأمن من القحط قد يكون بحصول ما يحتاج إليه من الأغذية وقد يكون بالتوسعة فيها فهو بالسؤال الأول طلب إزالة القحط وبالسؤال الثاني طلب التوسعة العظيمة . المسألة الرابعة : اختلفوا في أن مكة هل كانت آمنة محرمة قبل دعوة إبراهيم عليه السلام أو إنما صارت كذلك بدعوته فقال قائلون : إنها كانت كذلك أبداً لقوله عليه السلام : " إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض " وأيضاً قال إبراهيم : * ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ) * ( إبراهيم : 37 ) وهذا يقتضي أنها كانت محرمة قبل ذلك ، ثم إن إبراهيم عليه السلام أكده بهذا الدعاء ، وقال آخرون : إنها إنما صارت حرماً آمناً بدعاء إبراهيم عليه السلام وقبله كانت لسائر البلاد والدليل عليه قوله عليه السلام : " اللهم إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة " . والقول الثالث : إنها كانت حراماً قبل الدعوة بوجه غير