تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
الوجه الذي صارت به حراماً بعد الدعوة . فالأول : يمنع الله تعالى من الاصطلام وبما جعل في النفوس من التعظيم . والثاني : بالأمر على ألسنة الرسل . المسألة الخامسة : إنما قال في هذه السورة : * ( بلداً آمناً ) * على التنكير وقال في سورة إبراهيم : * ( هذا البلد آمناً ) * على التعريف لوجهين . الأول : أن الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلداً ، كأنه قال : اجعل هذا الوادي بلداً آمناً لأنه تعالى حكى عنه أنه قال : * ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ) * ( إبراهيم : 37 ) فقال : ههنا اجعل هذا الوادي بلداً آمناً ، والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلداً ، فكأنه قال : اجعل هذا المكان الذي صيرته بلداً ذا أمن وسلامة ، كقولك : جعلت هذا الرجل آمناً . الثاني : أن تكون الدعوتان وقعتا بعد ما صار المكان بلداً ، فقوله : * ( اجعل هذا بلداً آمناً ) * تقديره : اجعل هذا البلد بلداً آمناً ، كقولك : كان اليوم يوماً حاراً ، وهذا إنما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة ، لأن التنكير يدل على المبالغة ، فقوله : * ( رب اجعل هذا بلداً آمناً ) * معناه : اجعله من البلدان الكاملة في الأمن ، وأما قوله : * ( رب اجعل هذا البلد آمناً ) * فليس فيه إلا طلب الأمن لا طلب المبالغة ، وأما قوله : * ( وارزق أهله من الثمرات ) * فالمعنى أنه عليه السلام سأل أن يدر على ساكني مكة أقواتهم ، فاستجاب الله تعالى له فصارت مكة يجبى إليها ثمرات كل شيء ، أما قوله : * ( من آمن منهم ) * فهو يدل من قوله : * ( أهله ) * يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة ، وهو كقوله : * ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ) * ( آل عمران : 97 ) واعلم أنه تعالى لما أعلمه أن منهم قوماً كفاراً بقوله : * ( لا ينال عهدي الظالمين ) * ( البقرة : 124 ) لا جرم خصص دعاءه بالمؤمنين دون الكافرين وسبب هذا التخصيص النص والقياس ، أما النص فقوله تعالى : * ( فلا تأس على القوم الكافرين ) * ( المائدة : 124 ) وأما القياس فمن وجهين : الوجه الأول : أنه لما سأل الله تعالى أن يجعل الإمامة في ذريته ، قال الله تعالى : * ( لا ينال عهدي الظالمين ) * ( البقرة : 124 ) فصار ذلك تأديباً في المسألة ، فلما ميز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين في باب الإمامة ، لا جرم خصص المؤمنين بهذا الدعاء دون الكافرين ثم أن الله تعالى أعلمه بقوله : فأمتعه قليلاً ) * الفرق بين النبوة ورزق الدنيا ، لأن منصب النبوة والإمامة لا يليق بالفاسقين ، لأنه لا بد في الإمامة والنبوة من قوة العزم والصبر على ضروب المحنة حتى يؤدي عن الله أمره ونهيه ولا تأخذه في الدين لومة لائم وسطوة جبار ، أما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المطيع والكافر والصادق والمنافق ، فمن آمن فالجنة مسكنه ومثواه ، ومن كفر فالنار مستقره ومأواه . الوجه الثاني : يحتمل أن إبراهيم عليه السلام قوي في ظنه أنه إن دعا للكل كثر في البلد الكفار فيكون في غلبتهم وكثرتهم مفسدة ومضرة من ذهاب الناس إلى الحج ، فخص المؤمنين بالدعاء لهذا السبب ، أما قوله تعالى : * ( ومن كفر فأمتعه قليلاً ) * ففيه مسألتان :