إن موضع البيت قبل البناء كان يلقى فيه الجيف والأقذار فأمر الله تعالى إبراهيم بإزالة تلك القاذورات وبناء البيت هناك ، وهذا ضعيف لأن قبل البناء ما كان البيت موجوداً فتطهير تلك العرصة لا يكون تطهيراً للبيت ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه سماه بيتاً لأنه علم أن مآله إلى أن يصير بيتاً ولكنه مجاز .
أما قوله تعالى : * ( للطائفين والعاكفين والركع السجود ) * ففيه مسائل :
المسألة الأولى : العكف مصدر عكف يعكف بضم الكاف وكسرها عكفاً إذا لزم الشيء وأقام عليه فهو عاكف ، وقيل : إذا أقبل عليه لا يصرف عنه وجهه .
المسألة الثانية : في هذه الأوصاف الثلاثة قولان ، الأول : وهو الأقرب أن يحمل ذلك على فرق ثلاثة ، لأن من حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه ، فيجب أن يكون الطائفون غير العاكفين والعاكفون غير الركع السجود لتصح فائدة العطف ، فالمراد بالطائفين : من يقصد البيت حاجاً أو معتمراً فيطوف به ، والمراد بالعاكفين : من يقيم هناك ويجاور ، والمراد بالركع السجود : من يصلي هناك . والقول الثاني : وهو قول عطاء : أنه إذا كان طائفاً فهو من الطائفين ، وإذا كان جالساً فهو من العاكفين ، وإذا كان مصلياً فهو من الرجع السجود .
المسألة الثالثة : هذه الآية ، تدل على أمور . أحدها : أنا إذا فسرنا الطائفين بالغرباء فحينئذ تدل الآية على أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة ، لأنه تعالى كما خصهم بالطواف دل على أن لهم به مزيد اختصاص . وروي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء : أن الطواف لأهل الأمصار أفضل ، والصلاة لأهل مكة أفضل . وثانيها : تدل الآية على جواز الاعتكاف في البيت . وثالثها : تدل على جواز الصلاة في البيت فرضاً كانت أو نفلاً إذ لم تفرق الآية بين شيئين منها ، وهو خلاف قول مالك في امتناعه من جواز فعل الصلاة المفروضة في البيت ، فإن قيل : لا نسلم دلالة الآية على ذلك ، لأنه تعالى لم يقل : والركع السجود في البيت ، وكما لا تدل الآية على جواز فعل الطواف في جوف البيت ، وإنما دلت على فعله خارج البيت ، كذلك دلالته مقصورة على جواز فعل الصلاة إلى البيت متوجهاً إليه ، قلنا : ظاهر الآية يتناول الركوع والسجود إلى البيت ، سواء كان ذلك في البيت أو خارجاً عنه ، وإنما أوجبنا وقوع الطواف خارج البيت لأن الطواف بالبيت هو أن يطوف بالبيت ، ولا يسمى طائفاً بالبيت من طاف في جوفه ، والله تعالى إنما أمر بالطواف به لا بالطواف فيه ، لقوله تعالى : * ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) * ( الحج : 29 ) وأيضاً المراد لو كان التوجه إليه للصلاة ، لما كان للأمر بتطهير البيت للركع السجود وجه ، إذا كان حاضر والبيت والغائبون عنه سواء
تفسير الرازي — صفحة 58
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٥٨