تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
الفكرية ، ثم في آخر الامر تلك المجهولات الفكرية من القوة إلى الفعل ، فقوله تعالى ( قل أعوذ برب الناس ) إشارة إلى المرتبة الأولى من مراتب النفس الانسانية وهي حال كونها خالية من جميع العلوم البديهية والكسبية ، وذلك لان النفس في تلك المرتبة تحتاج إلى مرب يريها ويزينها بتلك المعارف البديهية ، ثم في المرتبة الثانية وهي عند حصول هذه العلوم البديهية يحصل لها ملكة من الانتقال منها إلى استعلام العلوم الفكرية وهو المراد من قوله ( ملك الناس ) ثم في المرتبة الثالثة وهي عند خروج تلك العلوم الفكرية من القوة إلى الفعل يحصل الكمال التام للنفس وهو المراد من قوله ( إله الناس ) فكأن الحق سبحانه يسمى نفسه بحسب كل مرتبة من مراتب النفس الانسانية بما يليق بتلك المرتبة ، ثم قال ( من شر الوسواس الخناس ) والمراد منه القوة الوهمية ، والسبب في إطلاق اسم الخناس على الوهم أن العقل والوهم ، قد يتساعدان على تسليم بعض المقدمات ، ثم إذا آل الامر إلى النتيجة فالعقل يساعد على النتيجة والوهم يخنس ، ويرجع ويمتنع عن تسليم النتيجة ، فلهذا السبب يسمى الوهم ( بالخناس ) ثم بين سبحانه أن ضرر هذا الخناس عظيم على العقل ، وأنه قلما ينفك أحد عنه فكأنه سبحانه بين في هذه السورة مراتب الأرواح البشرية ونبه على عدوها ونبه على ما به يقع الامتياز بين العقل وبين الوهم ، وهناك آخر درجات مراتب النفس الانسانية ، فلا جرم ، وقع ختم الكتاب الكريم والفرقان العظيم عليه . ( الفصل الثاني ) ذكروا في سبب نزول هذه السورة وجوها ( أحدها ) روى أن جبريل عليه السلام أتاه وقال إن عفريتا من الجن يكيدك ، فقال إذا أويت إلى فراشك قل أعوذ برب السورتين ( وثانيها ) أن الله تعالى أنزلهما عليه ليكونا رقية من العين ، وعن سعيد بن المسيب أن قريشا قالوا : تعالوا نتجوع فنعين محمدا ففعلوا ، ثم أتوه وقالوا ما أشد عضدك ، وأقوى ظهرك وأنضر وجهك ، فأنزل الله تعالى المعوذتين ( وثالثها ) وهو قول جمهور المفسرين ، أن لبيد بن أعصم اليهودي سحر النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى عشرة عقدة وفى وتر دسه في بئر يقال لها ذوال فمرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واشتد عليه ذلك ثلاث ليال فنزلت المعوذتان لذلك ، وأخبره جبريل بموضع السحر فأرسل عليا عليه السلام ، وطلحة وجاءا به ، وقال جبريل للنبي حل عقدة واقرأ آية ففعل وكان كلما قرأ آية انحلت عقدة فكان يحد بعض الخفة والراحة . واعلم أن المعتزلة أنكروا ذلك بأسرهم ، قال القاضي هذه الرواية باطلة . وكيف يمكن القول بصحتها ، والله تعالى يقول ( والله يعصمك من الناس ) وقال ( ولا يفلح الساحر حيث أتى ) ولان تجويزه يفضي إلى القدح في النبوة ، ولأنه لو صح ذلك لكان من الواجب أن يصلوا إلى الضرر لجميع الأنبياء والصالحين ، ولقدروا على تحصيل الملك العظيم لأنفسهم ، وكل ذلك باطل ، ولان الكفار كانوا يعيرونه بأنه مسحور ، فلو وقعت هذه الواقعة لكان الكفار صادقين في تلك