تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
يعطيه ما يساوي ما أعطاه وثانيها : قال مجاهد : لم يكن صاحبة كأنه سبحانه وتعالى قال : لم يكن أحد كفؤاً له فيصاهره ، رداً على من حكى الله عنه قوله : * ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ) * فتفسير هذه الآية كالتأكيد لقوله تعالى : * ( لم يلد ) * وثالثها : وهو التحقيق أنه تعالى بين لما بين أنه هو المصمود إليه في قضاء الحوائج ونفي الوسائط من البين بقوله : * ( لم يلد ولم يولد ) * على ما بيناه ، فحينئذ ختم السورة بأن شيئاً من الموجودات يمتنع أن يكون مساوياً له في شيء من صفات الجلال والعظمة ، أما الوجود فلا مساواة فيه لأن وجوده من مقتضيات حقيقته فإن حقيقته غير قابلة للعدم من حيث هي هي ، وأما سائر الحقائق ، فإنها قابلة للعدم ، وأما العلم فلا مساواة فيه لأن علمه ليس بضروري ولا باستدلالي ولا مستفاد من الحس ولا من الرؤية ولا يكون في معرض الغلط والزلل وعلوم المحدثات كذلك ، وأما القدرة فلا مساواة فيها وكذا الرحمة والجود والعدل والفضل والإحسان ! واعلم أن هذه السورة أربع آيات ، وفي ترتيبها أنواع من الفوائد : الفائدة الأولى : أن أول السورة يدل على أنه سبحانه واحد ، والصمد على أنه كريم رحيم لأنه لا يصمد إليه حتى يكون محسناً و : * ( لم يلد ولم يولد ) * على أنه غني على الإطلاق ومنزه عن التغيرات فلا يبخل بشيء أصلاً ، ولا يكون جوده لأجل جر نفع أو دفع ضر ، بل بمحض الإحسان وقوله : * ( ولم يكن له كفواً أحد ) * إشارة إلى نفي مالا يجوز عليه من الصفات . الفائدة الثانية : نفي الله تعالى عن ذاته أنواع الكثرة بقوله : * ( أحد ) * ونفي النقص والمغلوبية بلفظ الصمد ، ونفي المعلولية والعلية بلم يلد ولم يولد ، ونفي الأضداد والأنداد بقوله : * ( ولم يكن له كفواً أحد ) * . الفائدة الثالثة : قوله : * ( أحد ) * يبطل مذهب الثنوية القائلين بالنور والظلمة ، والنصارى في التثليث ، والصابئين في الأفلاك والنجوم ، والآية الثانية تبطل مذهب من أثبت خالقاً سوى الله لأنه لو وجد خالق آخر لما كان الحق مصموداً إليه في طلب جميع الحاجات ، والثالثة تبطل مذهب اليهود في عزير ، والنصارى في المسيح ، والمشركين في أن الملائكة بنات الله ، والآية الرابعة تبطل مذهب المشركين حيث جعلوا الأصنام أكفاء له وشركاء . الفائدة الرابعة : أن هذه السورة في حق الله مثل سورة الكوثر في حق الرسول لكن الطعن في حق الرسول كان بسبب أنهم قالوا : إنه أبتر لا ولد له ، وههنا الطعن بسبب أنهم أثبتوا لله ولداً ، وذلك لأن عدم الولد في حق الإنسان عيب ووجود الولد عيب في حق الله تعالى ، فلهذا السبب قال ههنا : * ( قل ) * حتى تكون ذاباً عني ، وفي سورة : * ( إنا أعطيناك ) * أنا أقول ذلك الكلام حتى أكون أنا ذاباً عنك ، والله سبحانه وتعالى أعلم .