تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
مقدمة بسم الله الرحمن الرحيم قبل الخوض في التفسير لا بد من تقديم فصلين : ( الفصل الأول ) سمعت بعض العارفين فسر هاتين السورتين على وجه عجيب ، فقال إنه سبحانه لما شرح أمر الإلهية في سورة الاخلاص ذكر هذه السورة عقيبها في شرح مراتب مخلوقات الله فقال أولا ( قل أعوذ برب الفلق ) وذلك لان ظلمات العدم غير متناهية ، والحق سبحانه هو الذي فلق تلك الظلمات بنور التكوين والايجاد والابداع ، فلهذا قال ( قل أعوذ برب الفلق ) ثم قال ( من شر ما خلق ) والوجه فيه أن عالم الممكنات على قسمين عالم الامر وعالم الخلق على ما قال ( ألا له الخلق والامر ) وعالم الامر كان خيرات محضة بريئة عن الشرور والآفات ، أما عالم الخلق وهو عالم الأجسام والجسمانيات ، فالشر لا يحصل إلا فيه ، وإنما سمى عالم الأجسام والجسمانيات بعالم الخلق . لان الخلق هو التقدير : والمقدار من لواحق الجسم ، فلما كان الامر كذلك ، لا جرم قال : أعوذ بالرب الذي فلق ظلمات بحر العدم بنور الايجاد والابداع من الشرور الواقعة في عالم الخلق وهو عالم الأجسام والجسمانيات ، ثم من الظاهر أن الأجسام ، إما أثرية أو عنصرية والأجسام الأثرية خيرات . لأنها بريئة عن الاختلال والفطور ، على ما قال ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ) وأما العنصريات فهي إما جماد أو نبات أو حيوان ، أما الجمادات فهي خالية عن جميع القوى النفسانية ، فالظلمة فيها خالصة والأنوار عنها بالكلية زائلة ، وهي المراد من قوله ( ومن شر غاسق إذا وقب ) وأما النبات فالقوة الغاذية النباتية هي التي تزيد في الطول والعرض والعمق معا ، فهذه النباتية كأنها تنفت في العقد الثلاثة وأما الحيوان فالقوى الحيوانية هي الحراس الظاهرة والحواس الباطنة والشهوة والغضب وكلها تمنع الروح الانسانية عن الانصباب إلى عالم الغيب ، والاشتغال بقدس جلال الله وهو المراد من قوله ( ومن شر حاسد إذا حسد ) ثم إنه لم يبق من السفليات بعد هذه المرتبة سوى النفس الانسانية ، وهي المستعيذة ، فلا تكون مستعاذا منها ، فلا جرم قطع هذه السورة وذكر بعدها في سورة الناس مراتب درجات النفس الانسانية في الترقي ، وذلك لأنها بأصل فطرتها مستعدة ، لان تنتقش بمعرفة الله تعالى ومحبته إلا أنها تكون أول الأمر خالية عن هذه المعارف بالكلية ، ثم إنه في المرتبة الثانية يحصل فيها علوم أولية بديهية يمكن التوصل بها إلى استعلام المجهولات
تفسير الرازي — صفحة 186 | فخر الدين الرازي