تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
لأن كونه مرسلاً من الله يقتضي أن يؤمن المكلف بالله والمرسل وبالمرسل وقوله * ( شاهداً ) * يقتضي أن يعزر الله ويقوي دينه لأن قوله * ( شاهداً ) * على ما بينا معناه أنه يشهد أنه لا إله إلا هو فدينه هو الحق وأحق ن يتبع وقوله * ( مبشراً ) * يقتضي أن يوقر الله لأن تعظيم الله عنده على شبه تعظيم الله إياه . وقوله * ( نذيراً ) * يقتضي أن ينزه عن السوء والفحشاء مخافة عذابه الأليم وعقابه الشديد ، وأصل الإرسال مرتب على أصل الإيمان ووصف الرسول يترتب عليه وصف المؤمن وثانيهما : أن يكون كل واحد مقتضياً للأمور الأربعة فكونه مرسلاً يقتضي أن يؤمن المكلف بالله ورسوله ويعزره ويوقره ويسبحه ، وكذلك كونه * ( شاهداً ) * بالوحدانية يقتضي الأمور المذكورة ، وكذلك كونه * ( مبشراً ونذيراً ) * لا يقال إن اقتران اللام بالفعل يستدعي فعلاً مقدماً يتعلق به ولا يتعلق بالوصف وقوله * ( لتؤمنوا ) * يستدعي فعلاً وهو قوله * ( إنا أرسلناك ) * فكيف تترتب الأمور على كونه * ( شاهداً ومبشراً ) * لأنا نقول يجوز الترتيب عليه معنى لا لفظاً ، كما أن القائل إذا قال بعثت إليك عالماً لتكرمه فاللفظ ينبئ عن كون البعث سبب الإكرام ، وفي المعنى كونه عالماً هو السبب للإكرام ، ولهذا لو قال بعثت إليك جاهلاً لتكرمه كان حسناً ، وإذا أردنا الجمع بين اللفظ والمعنى نقول : الإرسال الذي هو إرسال حال كونه شاهداً كما تقول بعث العالم سبب جعله سبباً لا مجرد البعث ، ولا مجرد العالم ، في الآية مسائل : المسألة الأولى : قال في الأحزاب * ( إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً * داعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ) * ( الأحزاب : 45 ، 46 ) وههنا اقتصر على الثلاثة من الخمسة فما الحكمة فيه ؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن ذلك المقام كان مقام ذكره لأن أكثر السورة في ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم وأحواله وما تقدمه من المبايعة والوعد والدخول ففصل هنالك ، ولم يفصل ههنا ثانيهما : أن نقول الكلام مذكور ههنا لأن قوله * ( شاهداً ) * لما لم يقتض أن يكون داعياً لجواز أن يقول مع نفسه أشهد أن لا إله إلا الله ، ولا يدعو الناس قال هناك وداعياً لذلك ، وههنا لما لم يكن كونه * ( شاهداً ) * منبئاً عن كونه داعياً قال : * ( لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه ) * دليل على كونه سراجاً لأنه أتى بما يجب من التعظيم والاجتناب عما يحرم من السوء والفحشاء بالتنزيه وهو التسبيح . المسألة الثانية : قد ذكرنا مراراً أن اختيار البكرة والأصيل يحتمل أن يكون إشارة إلى المداومة ، ويحتمل أن يكون أمراً بخلاف ما كان المشركون يعملونه فإنهم كانوا يجتمعون على عبادة الأصنام في الكعبة بكرةً وعشية فأمروا بالتسبيح في أوقات كانوا يذكرون فيها الفحشاء والمنكر . المسألة الثالثة : الكنايات المذكور في قوله تعالى : * ( وتعزروه وتوقروه وتسبحوه ) * راجعة إلى الله تعالى أو إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ؟ والأصح هو الأول .