تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
صورة كون الكلام مع المؤمن أدخل الباء على الضر ، فقال : * ( إن أرادني الله بضر ) * ( الزمر : 38 ) وقال : * ( وإن يمسسك الله بضر ) * ( الأنعام : 17 ) وفي صورة كون الكلام مع الكافر أدخل الباء عل الكافر ، فقال ههنا * ( إن أراد بكم ضراً ) * وقال : * ( من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً ) * ( الأحزاب : 17 ) وقد ذكرنا الفرق الفائق هناك ، ولا نعيده ليكون هذا باعثاً على مطالعة تفسير سورة يّس ، فإنها درج الدرر اليتيمة ، * ( بل كان الله بما تعملون خبيراً ) * أي بما تعملون من إظهار الحرب وإضمار غيره . ثم قال تعالى * ( بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِى قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً ) * . يعني لم يكن تخلفكم لما ذكرتم * ( بل ظننتم أن لن ينقلب ) * وأن مخففة من الثقيلة ، أي ظننتم أولاً ، فزين الشيطان ظنكم عندكم حتى قطعتم به ، وذلك لأن الشبهة قد يزينها الشيطان ، ويضم إليها مخايلة يقطع بها الغافل ، وإن كان لا يشك فيها العاقل ، وقوله تعالى : * ( وظننتم ظن السوء ) * يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون هذا العطف عطفاً يفيد المغايرة ، فقوله * ( وظننتم ظن السوء ) * غير الذي في قوله * ( بل ظننتم ) * وحينئذ يحتمل أن يكون الظن الثاني معناه : وظننتم أن الله يخلف وعده ، أو ظننتم أن الرسول كاذب في قوله وثانيهما : أن يكون قوله * ( وظننتم ظن السوء ) * هو ما تقدم من ظن أن لا ينقلبوا ، ويكون على حد قول القائل : علمت هذه المسألة وعلمت كذا ، أي هذه المسألة لا غيرها ، وذلك كأنه قال : بل ظننتم ظن أن لن ينقلب . وظنكم ذلك فاسد ، وقد بينا التحقيق في ظن السوء ، وقوله تعالى : * ( وكنتم قوماً بوراً ) * يحتمل وجهين أحدهما : وصرتم بذلك الظن بائرين هالكين وثانيهما : أنتم في الأصل بائرون وظننتم ذلك الظن الفاسد . ثم قال تعالى * ( وَمَن لَّمْ يُؤْمِن باِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً ) * . على قولنا : * ( وظننتم ظن السوء ) * ( الفتح : 12 ) ظن آخر غير ما في قوله * ( بل ظننتم ) * ظاهر ، لأنا بينا أن ذلك ظنهم بأن الله يخلف وعده أو ظنهم بأن الرسول كاذب فقال : * ( ومن لم يؤمن بالله ورسوله ) * ويظن به خلفاً وبرسوله كذباً فإنا اعتدنا له سعيراً ، وفي قوله * ( للكافرين ) * بدلاً عن أن يقول فإنا اعتدنا له فائدة وهي التعميم كأنه تعالى قال : ومن لم يؤمن بالله فهو من الكافرين وإنا اعتدنا للكافرين سعيراً .