يأتيه على أني صديقك ، والمجاهر على خلاف الشيطان من وجه ، ولأن المنافق كان يظن أن يتخلص للمخادعة ، والكافر لا يقطع بأن المؤمن إن غلب يفديه ، فأول ما أخبر الله أخبر عن المنافق وقول * ( الظانين بالله ظن السوء ) * هذا الظن يحتمل وجوهاً أحدها : هو الظن الذي ذكره الله في هذه السورة بقوله * ( بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول ) * ( الفتح : 12 ) ثانيها : ظن المشركين بالله في الإشراك كما قال تعالى : * ( إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم ) * إلى أن قال : * ( إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً ) * ( النجم : 23 - 28 ) ثالثها : ظنهم أن الله لا يرى ولا يعلم كما قال : * ( ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون ) * ( فصلت : 22 ) والأول أصح أو نقول المراد جميع ظنونهم حتى يدخل فيه ظنهم الذي ظنوا أن الله لا يحيي الموتى ، وأن العالم خلقه باطل ، كما قال تعالى : * ( ذلك ظن الذين كفروا ) * ( ص : 27 ) ويؤيد هذا الوجه الألف واللام الذي في السوء وسنذكره في قوله * ( ظن السوء ) * وفيه وجوه أحدها : ما اختاره المحققون من الأدباء ، وهو أن السوء صار عبارة عن الفساد ، والصدق عبارة عن الصلاح يقال مررت برجل سوء أي فاسد ، وسئلت عن رجل صدق أي صالح ، فإذا كان مجموع قولنا رجل سوء يؤدي معنى قولنا فاسد ، فالسوء وحده يكون بمعنى الفساد ، وهذا ما اتفق عليه الخليل والزجاج واختاره الزمخشري ، وتحقيق هذا أن السوء في المعاني كالفساد في الأجساد ، يقال ساء مزاجه ، وساء خلقه ، وساء ظنه ، كما يقال فسد اللحم وفسد الهواء ، بل كان ما ساء فقد فسد وكل ما فسد فقد ساء غير أن أحدهما كثير الاستعمال في المعاني والآخر في الأجرام قال الله تعالى : * ( ظهر الفساد في البر والبحر ) * ( الروم : 41 ) وقال : * ( ساء ما كانوا يعملون ) * ( التوبة : 9 ) هذا ما يظهر لي من تحقيق كلامهم .
ثم قال تعالى : * ( عليهم دائرة السوء ) * أي دائرة الفساد وحاق بهم الفساد بحيث لا خروج لهم منه .
ثم قال تعالى : * ( وغضب الله عليهم ) * زيادة في الإفادة لأن من كان به بلاء فقد يكون مبتلى به على وجه الامتحان فيكون مصاباً لكي يصير مثاباً ، وقد يكون مصاباً على وجه التعذيب فقوله * ( وغضب الله عليهم ) * إشارة إلى أن الذي حاق بهم على وجه التعذيب وقوله * ( ولعنهم ) * زيادة إفادة لأن المغضوب عليه قد يكون بحيث يقنع الغاضب بالعتب والشتم أو الضرب ، ولا يفضي غضبه إلى إبعاد المغضوب عليه من جنابه وطرده من بابه ، وقد يكون بحيث يفضي إلى الطرد والإبعاد ، فقال : * ( ولعنهم ) * لكون الغضب شديداً ، ثم لما بيّن حالهم في الدنيا بيّن مآلهم في العقبى قال : * ( وأعد لهم جهنم وساءت مصيراً ) * وقوله * ( ساءت ) * إشارة لمكان التأنيث في جهنم يقال هذه الدار نعم المكان ، وقوله تعالى : * ( ولله جنود السماوات والأرض ) * ( الفتح : 4 ) قد تقدم تفسيره ، وبقي فيه مسائل :
المسألة الأولى : ما الفائدة في الإعادة ؟ نقول لله جنود الرحمة وجنود العذاب أو جنود الله إنزالهم قد يكون للرحمة ، وقد يكون للعذاب فذكرهم أولى لبيان الرحمة بالمؤمنين قال تعالى : * ( وكان
تفسير الرازي — صفحة 84
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٨٤