تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
ليزدادوا إيماناً بسبب الإنزال ليدخلهم بسبب الإيمان جنّات ، فإن قيل فقوله * ( ويعذب ) * ( الفتح : 6 ) عطف على قوله * ( ليدخل ) * وازدياد إيمانهم لا يصلح سبباً لتعذيبهم ، نقول بلى وذلك من وجهين أحدهما : أن التعذيب مذكور لكونه مقصوداً للمؤمنين ، كأنه تعالى يقول بسبب ازديادكم في الإيمان يدخلكم في الآخرة جنّات ويعذب بأيديكم في الدنيا الكفار والمنافقين الثاني : تقديره ويعذب بسبب ما لكم من الازدياد ، يقال فعلته لأجرب به العدو والصديق أي لأعرف بوجوده الصديق وبعدمه العدو فكذلك ليزداد المؤمن إيماناً فيدخله الجنة ويزداد الكافر كفراً فيعذبه به ووجه آخر ثالث : وهو أن سبب زيادة إيمان المؤمنين بكثرة صبرهم وثباتهم فيعيى المنافق والكافر معه ويتعذب وهو قريب مما ذكرنا الثاني : قوله * ( وينصرك الله ) * ( الفتح : 3 ) كأنه تعالى قال وينصرك الله بالمؤمنين ليدخل المؤمنين جنّات الثالث : قوله * ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ) * ( الفتح : 2 ) على قولنا المراد ذنب المؤمن كأنه تعالى قال ليغفر لك ذنب المؤمنين ، ليدخل المؤمنين جنات ، وأما إن قلنا هو مفهوم من لفظ غير صريح فيحتمل وجوهاً أيضاً أحدها : قوله * ( حكيماً ) * ( الفتح : 4 ) يدل على ذلك كأنه تعالى قال : الله حكيم ، فعل ما فعل ليدخل المؤمنين جنات وثانيها : قوله تعالى : * ( ويتم نعمته عليك ) * ( الفتح : 2 ) في الدنيا والآخرة ، فيستجيب دعاءك في الدنيا ويقبل شفاعتك في العقبى * ( ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّات ) * ثالثها : قوله * ( إنا فتحنا لك ) * ( الفتح : 1 ) ووجهه هو أنه روي أن المؤمنين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم هنيئاً لك إن الله غفر لك فماذا لنا ؟ فنزلت هذه الآية كأنه تعالى قال : إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك وفتحنا للمؤمنين ليدخلهم جنّات ، وأما إن قلنا إن ذلك مفهوم من غير مقال بل من قرينة الحال ، فنقول هو الأمر بالقتال لأن من ذكر الفتح والنصر علم أن الحال حال القتال ، فكأنه تعالى قال إن الله تعالى أمر بالقتال ليدخل المؤمنين ، أو نقول عرف من قرينة الحال أن الله اختار المؤمنين ليدخلهم جنّات . المسألة الرابعة : قال ههنا وفي بعض المواضع * ( المؤمنين والمؤمنات ) * وفي بعض المواضع اكتفى بذكر المؤمنين ودخلت المؤمنات فيهم كما في قوله تعالى : * ( وبشر المؤمنين ) * ( الأحزاب : 47 ) وقوله تعالى : * ( قد أفلح المؤمنون ) * ( المؤمنون : 1 ) فما الحكمة فيه ؟ نقول في المواضع التي فيها ما يوهم اختصاص المؤمنين بالجزاء الموعود به مع كون المؤمنات يشتركن معهم ذكرهن الله صريحاً ، وفي المواضع التي ليس فيها ما يوهم ذلك اكتفى بدخولهم في المؤمنين فقوله * ( وبشر المؤمنين ) * مع أنه علم من قوله تعالى : * ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ) * ( سبأ : 28 ) العموم لا يوهم خروج المؤمنات عن البشارة ، وأما ههنا فلما كان قوله تعالى : * ( ليدخل المؤمنين ) * لفعل سابق وهو إما الأمر بالقتال أو الصبر فيه أو النصر للمؤمنين أو الفتح بأيديهم على ما كان يتوهم لأن إدخال المؤمنين كان للقتال ، والمرأة لا تقاتل فلا تدخل الجنة الموعود بها صرح الله بذكرهن ، وكذلك في المنافقات والمشركات ، والمنافقة والمشركة لم تقاتل فلا تعذب فصرّح الله تعالى بذكرهن ، وكذلك في قوله تعالى : * ( إن